بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري: القواعد الشرعية أنموذجا وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري القواعد الشرعية أنموذجا أكتوبر 2005

الجزء ١ · صفحة ٢٦

فعلى سبيل المثال عندنا في المذهب يشترط في إفطار الصائم لسفر أو مرض تبييت النية من الليل، وهذا الشرط وضعه العلماء بمحض اجتهادهم سدا لذريعة التلاعب من بعض الأغرار من الصبيان، أو ضعاف الإيمان، ولم يرد في ذلك نص صريح كما ورد في الصوم:«لا صوم لمن لم يبيت النية من الليل». والأخذ بسد الذرائع- جلبا أو دفعا- أصل معتمد شرعا في كثير من الفروع والمسائل الجزئية. لكن ونحن اليوم نعيش وسط العالم المزدحم بوسائل النقل والمواصلات السريعة وما ينجم عن ذلك من حوادث المرور الفجائية - وما أكثرها بمئات الآلاف- فإذا بصائم امتطى سيارته آمنا مطمئنا غير عازم على الإفطار وأمسك، ولكن أثناء سفره وقع له حادث مرور وكان من ضحاياه فأصابه جرح بليغ أو كسر مبين مما يقتضي علاجه إفطاره ، فهل يمنع من ذلك الإفطار لمرض بدعوى عدم تبييت النية من الليل، ويلزم على مواصلة وإتمام الصيام رغم ما يقاسيه من آلام الحادث وجراحه؟، أوَلا يؤذن ولا يسمح له إلا بتناول ما يمسك به رمق الحياة دون الموت وإسلام روحه لباريها، مع إلزامه قضاء يومه بعد ذلك عند البرء والشفاء؟.

كلا إنّ أصل وقاعدة وكليّ اليسر في الشريعة المقرر في خصوص هذا الموضوع -موضوع الصيام- بقول الله - عز وجل - : ﴿ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّن أَيَّامٍ اُخَرَ، يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾(1) . إن هذا يقتضي أن يؤذن لهذا المسافر المريض مرضا مفاجئا بحادث المرور أن يفطر- مع عدم تبييت النية من الليل إذ كان حادثا غيبيا عند الله لا يعلمه إلا الله - عز وجل - مما لم يمكن ولا يمكن تبييت نية له من الليل.

(1) - البقرة، آية 185.

٢٦ / ٣٤٨