بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري القواعد الشرعية أنموذجا أكتوبر 2005
الجزء ١ · صفحة ٤٦ثالثاً : في التحليل والتركيب : قال أبو زيد الدبوسي (-430هـ/1038) في " تقويم الأدلة " : بلغَنا عن أبي حنيفة (-150هـ/767م) أنه قال ليوسف بن خالد السمتي(-190هـ/805م) : "كلُّ مجتهدٍ مُصيب، والحقُّ عند الله واحد. فبيَّنَ أنّ الذي أخطأَ ما عند الله مُصيبٌ في حقّ عملِه "(18). والمعروف أنّ هذا القولَ نفسَهُ مرويٌّ عن معاصر أبي حنيفة عبيد الله بن الحسن العنبري (-168هـ/784م) قاضي البصرة، وعن المفكّر المعتزلي هشام الفُوَطي(-220هـ/835م)،وعن الوليد بن أبان الكرابيسي(-226هـ/840م)،وعن عمرو بن بحرالجاحظ(-255هـ/868م)(19). وفي حين تذكر المصادر أنّ أبا حنيفة والعنبريَّ كانا من المُرجئة؛ فإنّ الكرابيسيَّ كان قريباً من أهل الحديث؛ في حين كان الفُوَطي، كما سبق القول، معتزلياً، وكذلك الجاحظ. على أنّ الواضح أنّ الثلاثة ( العنبري والفوطي والكرابيسي ) كانوا يعتبرون هذه المقولة أصلاً كلامياً أو اعتقادياً، أرادوا بها الابتعادَ عن التكفير الذي شاع بين الفِرَق الإسلامية في القرن الثاني؛ في حين كان أبو حنيفة يؤيد إطلاقَ حرية الاجتهاد في فقه الفروع – إضافةً طبعاً إلى تجنب آثار الاختلاف في الأصول. ومع أنّ الجميع في القرن الثاني ما كانوا يُقرون الاختلاف الاجتهاديَّ في العقائد؛ فقد كان الواقع أنّ التجاذُب كان شديداً حول تكييف أحداث القرن الأول بين الصحابة، كما كان واقعاً فيما لا مدخَلَ مباشراً لتلك الأحداث فيه وهما قضيتا الإيمان والقَدَر. ويمكنُ القولُ هنا أنّ مقولة " كل مجتهدٍ مُصيب " كانت بداية الافتراق بين الفقهاء والمتكلمين باتجاه إقرار الاختلاف أو الاجتهاد في الفقه، ومنعه أو إنكاره في الاعتقادات. وقد ظهر الاقتناعُ بمقولة الاجتهاد الفقهي من تلك الرسائل المتبادَلة في الاختلاف بين فقهاء التابعين وتابعيهم، والتي سبق ذكرُها.