بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري القواعد الشرعية أنموذجا أكتوبر 2005
الجزء ١ · صفحة ٥٢والحقُّ أنّ هذا كلَّه لا يصحّ. فالشافعيُّ الذي كان مهجوساً باختراق منهج المعتزلة العقلي للقضايا التشريعية، أقام بناءً شكلياً مُناقضاً بقصد الفصل والضبط، من طريقي التأصيل والتعليل، فجرَّد الأصول، لإخراجها من عقلانية المعتزلة المُسرفة، وبذلك قلَّدهُم دون أن يقصد بمحاولة بناء منظومة نصية، فأضعف تأثير الأصول في استنباط الفروع أو متابعة الوقائع من طريق الاجتهاد. والدليلُ على ذلك أمران اثنان : أنّ الفقهاء الشافعية هم أكثر المدارس الفقهية استعمالاً للقياس الأرسطي، لأنّ منهجهم تجريدي وتعليلي – فنتائجه متضمنة في مقدماته. وهاتان هما السِمتان الرئيسيتان لمنطق أرسطو – أَلَمْ يقل الغزالي الشافعي : إنّ مَنْ لم يعرف المنطق لا يوثَقُ بعلمه ؟!
أما الأمر الثاني فهو أنّ الفقهاء الشافعية أنفسَهُم عندما اضطروا للتقعيد الفقهي، لجؤوا للاستقراء، ولاعتبار الجزئيات. وبعد أن مضوا بعيداً في ذلك، عادوا للتأليف في تخريج الفروع على الأصول، ليعيدوا ربط قواعدهم المستنبطة بالاستقراء بالنهج التعليلي والتأصيلي. والغزاليُّ الذي يرى ما سبق ذكره في عصمة المنطق أو علميته وضرورته للاجتهاد الفقهي، يعودُ للقول مُناقضاً نفسَه : إنّ النصوصَ تتناهى، والوقائع والنوازل لا تتناهى !
بيد أنّ المشكلة أنَّ أحداً ما صرَّح وكتب باستقلال التدبُّر العقلي في الاشتراع، ربما باستثناء الظاهرية وابن حزم (-456هـ/1063م) وبطريقةٍ مواربة، ومن منطلقٍ مدخول يقول باستحالة الاختلاف. فقد نفي ابنُ حزمٍ أن يكونَ القياسُ دليلاً، ولجأ للاستنباط المباشر من الكتاب والسنة. أما ما لم يستطع أن يجد له حكماً في القرآن أو السنة صراحةً أو تأويلاً؛ حقيقةً أو مجازاً، فقد قال بإطلاق النظر فيه، غير متأثرٍ بتفسير الشافعي لقوله تعالى : " ما فرّطْنا في الكتاب من شيء" (31).