مقاصد الشريعة الإسلامية مصطفى بن محمد شريفي

مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ١١٠

فنقول في تحقيق الأمر الأَوَّل: إِنَّ الذي يتنافى مع مصلحة الإِنسَان ـ باتِّفاق العقلاء ـ هو أن تستلزم تلك المصلحة مفسدة مساوية لها أو راجحة عَلَيْهَا بحيث تذهب بجدواها وقيمتها…

أَمَّا إذا استلزمت تلك المصلحة مفسدة أقلَّ ضررا من ضرر فواتها، فلا يقال حينئذ: إِنَّهُمَا متعارضتان، بل العقل السليم يقضي بتحمُّل الضرر الخفيف في سبيل تحقيق مصلحة يَتَرَتَّبُ عَلَى فواتها ضرر عظيم.

والمشقَّة بوصفها ألما يشعر به الإِنسَان تعتبر من المفاسد، وَلَكِنَّهَا إِنَّمَا تُستبعد إذا ارتفعت إِلىَ درجة تذهب بجدوى المصلحة، كمن أراد القيام للصلاة المكتوبة، وَلَكِنَّ وقوفه لأدائها سبَّب له آلاما ذهبت بخشيته القلبيَّة التي هي من أهمِّ مقاصد الصلاة…"، أو كمن أصابته غصَّة وليس أمامه إِلاَّ كأس خمر فامتنع من شربها لِمَا فيها من مفسدة السكر، وَلَكِنَّ امتناعه أورثه مفسدة أعظم، وهي إزهاق روحه. فمثل المفسدتين المذكورتين في ذينك المثالين هي التي جاء الشارع الحكيم لدرئهما، بالترخيص في الصلاة قعودا، أو تنجية النفس بالمحرَّم.

أَمَّا المشقَّة العادية التي لا تُسَمَّى في عرف الناس حرجا أو عنتا، كمشقَّة الأعمال اليوميَّة التي لا يتأفَّف منها إِلاَّ الكسالى، فلا تدخل في قَوله تَعَالىَ: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ (الحج: 78) .

وَهَذِهِ المشقَّة المعتادة مِمَّا يقتضيه التكليف، فهو لا يَتَحَقَّق إِلاَّ بما فيه شَيْء من الجهد والكُلفة، وهي لا تعدو خروج المُكَلَّف عن دواعي شهواته وأهوائه؛ إذ من المعلوم أَنَّ الاسترسال مع النفس فيما تهواه يُؤَدِّي إِلىَ مفاسد لا تحمد عقباها.

١١٠ / ٢٣١