مقاصد الشريعة الإسلامية مصطفى بن محمد شريفي

مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ١١٤

وَأَمَّا أحاديث تشديد الرَّسُول J عَلَى نفسه فَإِنَّ الشدَّة لم تكن مقصودة لذاتها، أي أَنَّهُ J لم يكن يبالي أن تتورَّم قدماه أَوْ لاَ، وَإِنَّمَا مقصوده شكر الله، والإمعان في تحقيق العُبُودِيَّة له، حَتَّى كان ما قد يبدو لغيره J مشقَّة فهو راحة بالنسبة إِلَيْهِ، فقد كان يقول: "يَا بِلاَلُ أَقِمِ الصَّلاَةَ، أَرِحْنَا بِهَا"(1) .

ومن الأَدِلَّة عَلَى ذَلِكَ النعي عَلَى إطالة الإمام في الصلاة، والنهي عن الوصال في الصوم.

"وبما ذكرناه يَتَّضِحُ أَنَّ المشقَّة لذاتها ليست مطلوبة في شرع شَيْء من الأحكام، وَأَنَّ الأحاديث الموهمة لِذَلِكَ منسجمة مع هَذَا الحقِّ لدى التحقيق فيها، وإذن فليس فيها شبهة أيِّ تعارُضٍ مع الأصل المتَّفق عَلَيْهِ، وهو: مراعاة الأحكام لمصالح العباد"(2) .

تاسعا - ضوابط المصلحة الشَّرعِيَّة(3) :

قبل الشروع في عرض الضوابط لاَ بُدَّ من الإشارة إِلىَ:

- أَنَّ معرفة ضوابط المصلحة ضرورية لمنع المجتهد من الوقوع في الباطل، ولئلاَّ يُدخَل في التشريع ما ليس منه.

- أَنَّ المصلحة ليست دَلِيلاً مستقلاًّ، كالقرآن وَالسُّنَّة والإجماع والقياس، وبالتالي لا يَصِحُّ القياس عَلَيْهَا لاستننباط أحكام جُزئِيَّة؛ لأَنَّ المصلحة نفسها معنًى كُلِّي استُخلص من الأحكام الجزئية.

- أَنَّ هَذِهِ الضوابط التي سنذكرها تُبَيِّنُ لنا أَنَّ ما وراء هَذِهِ الضوابط ليس داخلا في المصلحة، حَتَّى ولو توهَّمه الباحث مصلحة، فإذا توهَّم مفكِّر أَنَّ مصلحة الناس تقضي بحريَّة تعاملهم بالربا، فالتعارض إِنَّمَا هو بين وهمه وبين كِتَاب الله تَعَالىَ، وليس بين المصلحة والنصِّ الشرعي؛ لأَنَّ المصلحة الحَقِيقِيَّة هي في حرمة الربا.

(1) … أبو داود: كِتَاب الأدب، باب في صلاة العتمة، رقم 4985.

(2) … البوطي: ضوابط المصلحة، ص102.

(3) … البوطي: ضوابط المصلحة، ص105-177.

١١٤ / ٢٣١