مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١١٥أ - الضابط الأَوَّل : اندراجها في مقاصد الشارع :
دَلَّ الاستقراء عَلَى أَنَّ "مقاصد الشارع في خلقه تنحصر في حفظ خمسة أمور(1) : الدين، النفس، العقل، النسل، المال. فَكُلُّ ما يتضمَّن حفظ هَذِهِ الأصول الخمسة فهو مصلحة، وَكُلُّ ما يفوِّت هَذِهِ الأصول أو بعضها فهو مفسدة.
ثُمَّ إِنَّ وسيلة حفظ هَذِهِ الأمور الخمسة تتدرَّج في ثلاثة مراحل، حسب أَهَمِّيَّتها، وهي ما أطلق عَلَيْهِ علماء الأصول اسم: الضروريَّات، والحاجيَّات، والتحسينيَّات(2) "، وشرع لحفظها أحكاما من جانب الوجود ومن جانب المنع.
والمقاصد الخمسة كُلُّهَا وسيلة لغاية واحدة هي تحقيق العُبُودِيَّة لله تَعَالىَ، ونيل رضوانه. قَالَ تَعَالىَ: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ (الذاريات: 56) . ثُمَّ يأتي دور هَذِهِ الأمور الخمسة في تنظيم حياة الناس فمن استعان بها عَلَى أداء الوظيفة التي من أجلها وُجد كان من المفلحين. ومن استعان بها لغير ذَلِكَ كان موقفه الندامة، ويقول: ﴿ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ (الفجر: 24) ، وهو خاسر الخسران المبين، ﴿ قُلِ اِنَّ الْخَاسِرِينَ الذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَالِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ (الزمر: 15) .
فإذا اتَّضَحَ هَذَا المقصد الأسمى من الخلق، وهو العُبُودِيَّة لله، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عن هَذَا:
- أَنَّ كُلَّ ما خالف في جوهره المقاصد الخمسة، وإن بدت فيه مصلحة، فهو داخل في الحقيقة في نطاق المفاسد. كالتعامل بالربا، والاتِّجار في الخمور…
(1) … قال البوطي: "غير أَنَّ بعضهم زاد عَلَيْهِ سادسا وهو العِرض، وقد آثرنا الاستغناء عنه؛ لأَنَّ حفظ العرض داخل في الحقيقة ضمن حفظ أحد الكُلِّيَّات الخمسة عند التحقيق". المصدر نفسه، ص111.
(2) … ينظر معنى الضروريَّات والحاجيَّات والتحسينيَّات، في ص72-75 من هَذِهِ المذكِّرة.