مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١١٦- أَنَّ ما لم يخالف في مظهره المقاصد الخمسة، قد ينقلب إِلىَ مفسدة بسوء القصد، كمن يقاتل رياء وحميَّة. فقد جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ J، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"(1) ، فظاهر الجهاد واحد، وَلَكِنَّهُ تحوَّل إِلىَ مفسدة بسبب سوء النِّيَّة(2) ، وهكذا سائر الأعمال الحسنة تصبح مفسدة بسبب الرياء أو التباهي أو الخيلاء، أو الكِبْر… لِذَلِكَ حرَّم الله عَلَى الرجال لبس الذهب والحرير، لأنهما يُشعران بالخيلاء.
(1) … مُتَّفَق عَلَيْهِ. رواه البخاري في كِتَاب التوحيد، باب قَوله تَعَالىَ: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الصافات: 171] ، رقم 7020. ومسلم في كِتَاب الإمارة، باب مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، رقم 1904.
(2) … علَّق البوطي عَلَى هَذَا بقوله: "ومن أجل أَنَّ القصد محكَّم في قيم الأعمال الإِنسَانِيَّة المختلفة، كانت مظاهر الْمَدَنِيَّة والحضارة الإِنسَانِيَّة عنصر فساد وشرٍّ في أيدي الأمم التي استولت عَلَى قلوبها الأهواء، واستبدلت بعبادة الله عبادة الْمَادَّة والشهوات، حَتَّى انقلب نور هَذِهِ الْمَدَنِيَّة والحضارة فيما بينهم إِلىَ نار تهدِّد العالم بالدمار، مع أَنَّ هَذِهِ الحضارة وَالمدَنِيَّة نفسها حيثما يُهيَّأ لها مسلمون وقفوا عند حدود الإِسلاَم في أعمالهم ومقاصدهم، من شأنها أن تظلِّلهم والعالَم كُلَّهُ بظِلال السعادة الوارفة، والطمأنينة والاستقرار". ضوابط المصلحة، ص116.