مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١١٩"ففي هَذَا الحديث دَلِيل قاطع عَلَى أَنَّ المجتهد ـ وإن توهَّم المصلحة في حكم ما ـ ليس له اتِّبَاع تلك المصلحة إذا كان في ذَلِكَ تجاوزٌ عن حكمٍ قضى به كِتَاب الله تَعَالىَ، حَتَّى وإن كان ذَلِكَ المجتهد رَسُول اللهِ J "(1) .
وقد أجمع الفقهاء من الصحابة ومَن بعدَهم عَلَى هَذَا، ولا عبرة بشذوذ نجم الدين الطوفي(2) في هَذَا الشأن.
2- بيان المقصود بمعارضة المصلحة للكِتَاب:
"تنقسم المصلحة التي قد تعارض الكِتَاب إِلىَ نوعين:
النوع الأَوَّل: مصلحة موهومة لا تستند إِلىَ أصل تقاس عَلَيْهِ، فإذا تعارضت مع نصٍّ قاطع من الكِتَاب، مع عدم احتمال النسخ أو التخصيص، أو ما يشبههما، وجب المصير إِلىَ النصِّ القطعي؛ لأَنَّ دلالة المصلحة عَلَى الحكم دلالة ظَنِّيَّة مهما قويت. وَذَلِكَ كدلالة قَوله تَعَالىَ: ﴿ وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ (البقرة: 275) عَلَى الفرق بين البيع والربا في الحلِّ والحرمة.
وَأَمَّا إذا تعارضت مع ظاهر الكِتَاب، فَلاَ بُدَّ من التزام ضوابط دقيقة في تفسير النصوص(3) ، وَإِلاَّ لأمكن لِكُلِّ شخص بدت له مصلحة أن يلجأ إِلىَ تأويل النصوص لتوافق هواه.
(1) … البوطي: ضوابط المصلحة، ص119.
(2) … اسمه: نجم الدين سليمان بن عبد القويِّ الطوفي، ولد سنة 656هـ، أصل مذهبه حنبليٌّ، إِلاَّ أَنَّهُ لم يلتزم بِشَيْءٍ من أصوله أو فروعه، نادى بفكرته التي تقضي بتقديم المصلحة مطلقا عَلَى النصِّ والإجماع عند معارضتها لهما، في كِتَابه "شرح الأربعين حديثا". وقد عقد البوطي فصلا خَاصًّا بمناقشة رأيه. ينظر : ضوابط المصلحة، ص178-189.
(3) … اكتفينا بهذا مراعاة للاختصار، وَإِلاَّ فَإِنَّ في الموضوع تفاصيل أخرى حول الاجتهاد فيما إذا تعارضت دلالات الألفاظ المختلفة قُوَّة وضعفا مع المصلحة، وضوابط فهم النصوص. ينظر: المصدر نفسه، ص120-126.