مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٢٠النوع الثاني: مصلحة مستندة إِلىَ أصل قيست عَلَيْهِ بجامع بينهما، إذا كانت المصلحة مستندة إِلىَ قياس فَإِنَّ "التعارض في الحقيقة حينئذ بين دليلين شرعيَّين هما: الظاهر من الكِتَاب والقياس الصحيح، لا بين نصٍّ من كِتَاب ومجرد مصلحة متخيَّلة. وأمر التأويل والترجيح في هَذِهِ الحال عائد إِلىَ اجتهاد الأصوليِّ الثبت في فهمه وعلمه"(1) . وَذَلِكَ كالتعارض بين ظاهر قَوله تَعَالىَ: ﴿ يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ﴾ (النساء: 29) ، وبين جواز أخذ المضطرِّ من مال الغير عنوة قدرَ ضرورته، قياسا عَلَى جواز أكل الميتة للمضطر، فمثل هَذَا داخل في حيِّز الاجتهاد.
"والخلاصة أَنَّ العمل بمقتضى دلالة الظاهر واجب اتِّفَاقًا، ما لم تقم قرينة من الشرع، أو العقل، أو اللغة، أو العرف العامِّ تخرجه عن ظاهره، فيؤوَّل حينئذ حسبما تقتضيه تلك القرينة. وَلَمَّا كان مُجَرَّد تخيُّل المصلحة المعارِضَةِ لدلالة الظاهر ليس قرينة من هَذِهِ القرائن الأربع، كان الأخذُ بها مناقَضَةً للظاهر لا تأويلا له، وهو غير جائز اتِّفَاقًا"(2) .
3- الردُّ عَلَى من زعم أَنَّ في فقه عمر بن الخطَّاب ما يخالف الكِتَاب:
أخذ بهذا الزعم بعضُ من سار عَلَى نهج الطوفي من الْمُتَأَخِّرِينَ والمعاصرين، "الذين يرون المصلحة دَلِيلاً شرعيًّا مستقلاًّ يناكب النصَّ في القُوَّة، بل قد يرجح عَلَيْهِ، حيث اتَّخَذُوا من بعض اجتهادات عمر - رضي الله عنه - أقوى برهان لهم عَلَى ذَلِكَ"(3) .
وَمِمَّا اعتبروه مراعاةً للمصلحة بمخالفة نَصِّ الكِتَاب:
(1) … البوطي: المصدر نفسه، ص126. وفيه تفاصيل أخرى فلتراجَع.
(2) … المصدر نفسه، ص127.
(3) … المصدر نفسه.