مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٢٧فيكون الترجيح بالنظر إِلىَ قيمتها من حيث ذاتها، وترتيبها في الأَهَمِّيَّة، إذ تتدرَّج الكلِّيَّات الخمسة كالآتي: حفظ الدين، فالنفس، فالعقل، فالنسل، فالمال، وعند التعارض بين مصلحتين تُقدَّم التي تحفظ المرتبة الأولى ثُمَّ التي تليها. كما أَنَّ رعاية هَذِهِ الكلِّيَّات تتدرَّج أَيضًا إِلىَ ثلاث مراتب: الضروريَّات فالحاجيَّات فالتحسينيَّات، فالأُولى مُقَدَّمَة عَلَى الثانية، والثانية عَلَى الثالثة عند التعارض. مثال ذَلِكَ الأكل من المحرَّم للمشرف عَلَى الهلاك، فالأكل من الحلال حاجيٌّ، وحفظ النفس من الهلاك ضروريٌّ، فيقدَّم الضروريُّ عَلَى الحاجيِّ. وكجواز الصلاة خلف إمام فاجر، فالإمام التقيُّ مصلحة تحسينيَّة، تُقدَّم عَلَيْهِ المصلحة الحاجيَّة وهي إقامة شعيرة صلاة الجماعة.
وإن كانت المصلحتان المتعارضتان في مرتبة واحدة كما لو كانت كلتاهما من الضروريَّات أو الحاجيَّات أَو التحسينيَّات، فينظر في تفاوتهما من حيث الكلِّيَّات الخمسة، فيقدَّم حفظ الدين عَلَى ما سواه، وهكذا…
وإن كانتا مُتَعَلِّقتين بكلِّيٍّ واحد فيُنظر إِلىَ مقدار شمولهما، فتقدَّم أكثرهما شمولا عَلَى أضيقهما، إذ إِنَّ مصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد. مثاله: ترجيح الانشغال بتعليم شرعيٍّ عَلَى الانشغال بما وراء الفرائض من نوافل العبادات. وترجيح مصلحة حفظ عقول الناس من الزيغ عَلَى مصلحة الفرد في حُرِّيَّة الرأي والكِتَابة عند تعارضهما.