مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٣١باستعراض مواقف العلماء من الصحابة والتابعين نجدهم لا يتوانون في الأخذ بما فيه الخير والمصلحة، مِمَّا لم يَرِد فيه شاهد من الشرع، ما لم يعارض نَصًّا شرعيًّا، وَبِخَاصَّةٍ عند اتساع الدولة الإِسلاَمِيَّة.
ولأئمَّة المذاهب أحكام كثيرة أخذوا فيها بالمصالح المرسلة، ويعدُّ الإمام مالك من أكثرهم توسُّعا فيها.
وكذا الإمام الشافعيُّ الذي قد يَظُنُّ البعض أَنَّهُ أبعَدُ الأَئِمَّة عن الاستصلاح، إذ اشتُهرت عنه مقولة: "من استحسن فقد شرَّع"(1) ، إذ لا يشترط في الأخذ به الاِتِّفَاق في جزئيَّات الأحكام المبنيَّة عَلَى الاستصلاح، أو استخدام نفس المصطلحات (المناسب المرسل، أو المصالح المرسلة، أو الاستصلاح)؛ وَإِنَّمَا العبرة بتطبيقها في الفروع، وإن لم يعتبرها أصلا مستقلاًّ، بل ألحقه بالقياس، واتَّبَعَه في ذَلِكَ تلميذُه الإمام أحمد.
وأخذ بها الإمام أبو حنيفة ـ زعيم أهل الرأي ـ وهي أظهر ما تكون في الاستحسان والعرف اللذين امتاز بهما فقهه، فليسا في جوهرهما إِلاَّ أخذًا بالمصلحة. وليس رَدُّ الشافعيِّ عَلَى الاستحسان ـ بالتشهِّي والهوى ـ منطبقا عَلَى مذهب أبي حنيفة.
(1) … الغزالي: المنخول، ص374. الأسنوي: نهاية السول، 4/ 399. البدخشي: مناهج العقول، 3/140. ابن قدامة: روضة الناظر، 1/410. النسفي: كشف الأسرار، 2/299. الشوكاني: إرشاد الفحول، ص211. مصطفى ديب البغا: أثر الأَدِلَّة المختلف فيها في الفقه الإسلامي، ص132. (نقلا عن باجو: منهج الاجتهاد، ص724).