مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٦٨وهنا تثار مسألة يظهر فيها شيء من التناقض والتعارض بين حُرِّيَّة التديُّن والاعتقاد، وبين تحريم الردَّة عن الإسلام، لِمَا أجمع عليه الفقهاء من اعتبار الردَّة جريمة كبرى، تستوجب العقاب الشديد في الدنيا، والعقاب الوبيل في الآخرة، لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَّرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئكَ حَبِطَتَ اَعْمَالُهُمْ فيِ الدُّنيَا وَالاَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (البقرة: 217) ، وقوله J: "من بدَّل دينه فاقتلوه"(1) .
والحقيقة أنَّ هذا الحكم الشديد للمرتدِّ هو فرع عن حُرِّيَّة التديُّن والاعتقاد؛ لأَنَّ الإسلام لا يُكرِه أحدًا على اعتناقه والدخول فيه، إِلاَّ إذا حصل عنده القناعة التَّامَّة، والرضى الكامل، والإقرار بِأَنَّ الإسلام حقٌّ، فيعلن إسلامه، وينضوي تحت لوائه.. وَاتَّفَقَ العلماء على أَنَّهُ لا يُقبل التقليد في العقيدة والإيمان، ولا بُدَّ من موافقة العقل والتفكير على ذلك، فإن ارتدَّ بعد ذلك فهو إِمَّا أَنَّهُ دخل الإسلام نفاقاً ورياء، ولمصلحة خسيسة، وبقي الكفر في قلبه، فهذا يتلاعب في العقيدة والمقدَّسات ونظام الأُمَّة، فيستحقُّ القتل لهذه الجريمة؛ وَإِمَّا أَنَّهُ خرج من الإسلام لوسوسة شياطين الإنس والجنِّ، وإغوائهم وإغرائهم، فهنا يُستتاب، وتكشف له الحقائق، ويناقَش في شبهاته، حَتَّى لا يبقى له حجَّة، وتُزال عنه الأوهام، فإن أصرَّ على الباطل فَإِنَّهُ يقتل لجريمة العبث بالمقدَّسات والعقائد والأديان، وخروجه عن النظام العامِّ، وخيانته للأمَّة التي ترعاه، والدولة التي تحميه، فَقَتْلُ المرتدِّ هو بحدِّ ذاته حماية لحقِّ التديُّن، حَتَّى لا يصبح هذا الحقُّ ألعوبة وسخريَّة، ومُهانًا ورخيصًا كسقط المتاع.
(1) … هذا الحديث صحيح، وسبق تخريجه في ص86.