مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٨إِنَّ الألفاظ ليست كُلُّهَا قطعيَّةً في دلالتها، بل تتفاوت في درجة الاحتمال؛ وَلِذَلِكَ لم يستغنِ الْمُتَكَلِّمون والسامعون عن ملاحظة القرائن والسياق ومقام الخطاب، لتتضافر كُلُّ هَذِهِ الأشياء لإزالة الاحتمال عن الألفاظ؛ لِذَلِكَ تجد الكلام الذي شافَهَ به الْمُتَكَلِّم سامعيه أَوْضَحَ دلالة من الكلام الذي بُلِّغ عنه.
ومن هنا أخطأ بعض العلماء لَمَّا اقتصروا في استنباط الشريعة عَلَى اعتصار الألفاظ وتحليلها، والتنقيب عن وجوهها اللغويَّة، مع إهمال ما يحفُّها من القرائن والسياق والمقام.
"وفي هَذَا العمل تتفاوت مراتب الفقهاء، وترى جميعهم لم يستغنوا عن استقصاء تصرفات الرَّسُول J ، ولا عَلَى استنباط العلل، وكانوا في عصر التابعين وتابعيهم يشدُّون الرحال إِلىَ المدينة ليتبصَّروا من آثار الرَّسُول J وأعماله وعمل الصحابة ومن صحبهم من التابعين؛ هنالك يَتَبَيَّنُ لهم ما يدفع عنهم احتمالات كثيرة في دلالات الألفاظ، وليتَّضح لهم ما يُستنبط من العلل تبعا لمعرفة الحِكم والمقاصد، وفي هَذَا المقام ظهر تقصير الظاهريَّة وَبَعض المحدِّثين المقتصرين في التفقُّه عَلَى الأخبار"(1) .
تمييز مقامات الرَّسُول J في أقواله وأفعاله:
إِنَّ ما يُهِمُّ الناظر في الشريعة ومقاصدها هو تمييز مقامات الرَّسُول J في أقواله وأفعاله، والتفرقة بينها.
وَأَوَّلُ من اهتدى إِلىَ التمييز بينها شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، في كِتَابه: "أنواء البروق في الفروق"، فقد صنَّف تصرُّفاته J إِلىَ ما صدر بالفتوى، أو بالقضاء، أو بالتبليغ، أو بالإمامة، فهو "الإمام الأعظم، والقاضي الأحكم، والمفتي الأعلم، فهو إمام الأَئِمَّة، وقاضي القضاة، وعالم العلماء، فما من منصب دينيٍّ إِلاَّ وهو مُتَّصِف به في أعلى رتبة، غير أَنَّ غالب تصرُّفه J بالتبليغ…"(2) .