مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٨٧ويفرِّق الشيخ ابن عاشور بين مصطلح النسل وغيره، فاعتبر حفظ النسل ضروريًّا يعادل حفظ النفوس؛ إذ بتعطيله ـ بقطع الحمل أَو الإجهاض أو الاختصاء… ـ يتعطَّل وجود النفس. بينما حفظ النَّسب أو العرض أمر حاجيٌّ ووسيلة لحفظ النسل. إذ ليس من الضروريِّ معرفة نسب زيد أو عمرو، وَلَكِنَّ اختلاطها مَضَرَّة عظيمة، فهو يُؤَدِّي إِلىَ ترك العناية بالأسرة وعلاقاتها. ويستدرك الشيخ قائلا: وَلَكِن لَمَّا كانت لفوات حفظ النَّسب "عواقب كثيرة سَيِّئَة يضطرب لها أمر نظام الأسرة، وتنخرم بها دعامة العائلة، اعتبر علماؤنا حفظ النسب في الضروريِّ لِمَا ورد في الشريعة من التغليظ في حدِّ الزنا، وما ورد عن بعض العلماء من التغليظ في نكاح السرِّ والنكاح بدون وليٍّ وبدون إشهاد"(1) .
وحفظ النَّسب تقتضي أن يكون نسب الأبناء إلى آبائهم معروفا، حتَّى تتوطَّد العلاقة بين الأولاد وأُسَرهم ومجتمعهم، فإنَّ الشكَّ في نسب الولد يفضي إلى تفكك الأسرة، وتضييع حقوق الأبناء، ويؤدِّي إلى خلل في توازن شخصيَّتهم، ومن شأنه أن "يزيل من الأصل [أي الأبوين] الميل الجبلي الباعث على الذبِّ عنه، والقيام عليه بما فيه بقاؤه وصلاحه، وكمال جسده وعقله بالتربية والإنفاق… وهو يزيل من الفرع [أي الولد] الإحساس بالمبرَّة والصلة والمعاونة والحفظ عند العجز"(2) ، أي عجز آبائهم. وهذا ما نشاهده من تخلِّي الكثير عن رعاية آبائهم، والزجِّ بهم في دور العجزة.
والعرض هو ما يمدح به الإنسان أو يذمُّ، وهو أحد الصفات الأَسَاسِيَّة للإنسان، التي تميِّزه عن بَقِيَّة الحيوان، وهو ما حرص عليه العرب، وجاء الإسلام فأقرَّه، وصار حفظ العرض من الضروريَّات. واعتبره ابن عاشور من الحاجيَّات، ولم يَرَ تلازمًا بين حدِّ القذف واعتباره من الضروريَّات.
أ- حفظ النسل من جانب الوجود: