مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٢١٤- ومما غُلِّبت فيه المصلحة الراجحة أيضا قوله تعالى: ﴿ اِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُومِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ﴾ (التوبة: 111) ، فقد رغَّب الشارع المؤمنين وحثَّهم على الجهاد، وأن تُبذل النفوس رخيصة في سبيل نصرة دينه، ولم ينظر إلى ضياع نفوسهم في الجهاد؛ لأن حفظ الأديان الحاصل بالجهاد مصلحته راجحة على مصلحة حفظ النفس.
- ومنها أَنَّ القرآن الكريم حكى اجتهاد داود وسليمان إذ قال: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ ـ اتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ (الأنبياء: 78-79) . وملخَّص القصَّة: أَنَّ رجلين اختصما إلى داود - عليه السلام - ، أمَّا أحدهما فكان له حائط فيه شجر مثمر، وحرث في الأرض، والآخر كان له غنم، وفي الليل دخلت الغنم الحائط فأكلت الحرث، وأفسدت الشجر. قوَّم داود - عليه السلام - ما تلف في الجنان فوجده يساوي قيمة الغنم، فحكم بإعطاء الغنم إلى صاحب الجنان. وَأَمَّا ابنه سليمان فحكم بإعطاء الغنم لصاحب الحرث ينتفع من حليبها ولحمها وولدها، ويُعطَى الجنان لصاحب الغنم يقيمه ويخدمه وينتفع به حتَّى يعود كما كان. فإذا عاد الحرث إلى ما كان عليه يوم أُفسد استردَّ صاحب الغنم غنمه، واستردَّ صاحب الجنان جنانه، وفي تلك المدَّة يكون هذا قد استفاد من الغنم، وذاك من الجنان. فاجتهاد داود - عليه السلام - كان عادلا، بدليل قَوله تَعَالىَ: ﴿ وَكُلاًّ ـ اتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ وَلَكِنَّ سليمان راعى مصلحة الخصمين كليهما.