مقاصد الشريعة الإسلامية مصطفى بن محمد شريفي

مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٢١٦

ونلاحظ أَنَّ النَّبِيَّ J كان في اجتهاداته مراعيا للمصالح جلبًا، وللمفاسد درءًا، وَأَنَّهُ كان يرجِّح ويوازن بينها، ويأتي الوحي مؤيِّدًا، أو موجِّها لِمَا هو أَوْلى. من أمثلة ذلك:

- ما ذكره الْمُفَسِّرُونَ في سبب نزول قوله تعالى: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَآءَهُ الاَعْمَى… ﴾ (عبس: 1-12) ، الخ الآيات. وخلاصة القِصَّة أن النَّبِيَّ J كان مجتمعا مع رؤساء قريش، يدعوهم إلى الإسلام، فجاء ابن أمِّ مكتوم وكان كفيف البصر، فقال: أَقرِئني وعلِّمني مِمَّا علَّمك الله تعالى، وكرَّر ذلك فأعرض عنه النَّبِيُّ J ، وعبس؛ لأَنَّهُ J كان يرجو إسلام هؤلاء، ويعلم أنَّ بإسلامهم سيسلم جمع كبير من رعيَّتهم فيحصل بهم عزُّ الإسلام، وفي هَذَا مصلحة دِينِيَّة، فعِظم المصلحة وخطورتها جعله يؤثرها على المصلحة المترتِّبة على تعليم ابن أمِّ مكتوم وإقرائه؛ لأنها غالبا ما تكون المصلحة المترتِّبة على إجابته مصلحةً فرعيَّة، ثُمَّ إِنَّهُ يمكنه أن يُعلِّمه بعد انفضاض المجلس. ومحلُّ الشاهد أنَّ النَّبِيَّ J كان يتصرَّف طبقا للمصلحة عند فقدان الوحي، ورأى تقديم الأهمِّ على المهمِّ من المصالح، فجاء الوحي معاتبا له في تصرُّفه هذا. وكونه عُوتب عَلَى هَذَا الاجتهاد لا يمنع من الاستشهاد به على مراعاته J المقاصد في اجتهاده، وموازنته بين المصالح والمفاسد، فالعتاب كان منصبًّا على عبوسه وتولِّيه، لا على اجتهاده بالموازنة بين المصالح.

٢١٦ / ٢٣١