مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٢٣كما أَنَّ العلماء قد تعرَّضوا إِلىَ ما كان جِبِلِّيًّا لا يدخل في التشريع، وما لم يكن كَذَلِكَ، وتردَّدوا في الفعل إذا احتمل الأمرين، "كالحجِّ عَلَى البعير، وقد يغلط بعض العلماء في بعض تصرُّفات رسول الله عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فيعمد إِلىَ القياس عَلَيْهَا قبل التثبُّت في سبب صدورها"(1) .
وقد عدَّ ابن عاشور اثني عشر حالا يصدر عنها فعل النَّبِيِّ J ، "وهي: التشريع، والفتوى، والقضاء، والإمارة، والهدْيُ، والصلح، والإشارة عَلَى المستشير، والنصيحة، وتكميل النفوس، وتعليم الحقائق العالية، والتأديب، والتجرُّد عن الإرشاد"(2) . وسرد لِكُلِّ حال أمثلة يطول المقام بذكرها.
وبمعرفة هَذِهِ الأحوال تندفع الحيرة، وتنحلُّ كثير من الإشكالات التي قد تَعْرِضُ للفقيه في فهم أقواله وأفعاله J ، وتفهُّم مواقف العلماء المتناقضة في شأنها.
وَهَذِهِ المقامات هي بتعبير آخر: نوع من المقاصد، يحتاج الفقيه إلى التمييز بينها، حَتَّى لا يخطئ في فتاواه وأحكامه، وَحَتَّى يزول عنه الالتباس.
ج- خطر إهمال المقاصد(3) :
(1) … ابن عاشور: مقاصد، ص30.
(2) … المصدر نفسه، ص30-39. ويقصد بتعليم الحقائق العالية مثل ما ورد أَنَّ النَّبِيَّ J ، تمنَّى أن لو كان لَهُ مثل جبل أُحُد ذهبا فينفقه كُلَّهُ في سبيل الله إِلاَّ ثلاثة دنانير، ففهم أبو ذرٍّ منه عموم النهي عن كسب الأموال الطائلة، فكان ينهى عنه. ويقصد بالتجرُّد عن الإرشاد: ما كان جبلِّيًّا، لا تشريع فيه ولا إرشاد.
(3) … ينظر: سميح الجندي: أَهَمِّيَّة المقاصد في الشريعة الإِسلاَمِيَّة وآثارها في فهم النصِّ واستنباط الحُكم، ص128-138.