مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٣٧- قال J لعائشة رَضِيَ اللهُ عَنهَا: "أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟! فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ"(1) ، فأخبر - عليه السلام - أَنَّ تغيير البيت منكر قد وقع، حيث لم يكن البيت عَلَى قواعد إبراهيم، وَلَكِنَّهُ امتنع عن ذَلِكَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ من نفور العرب من الإِسلاَم، أي أَنَّهُ J وازن بين المصلحة والمفسدة، فقدَّم الأهمَّ دفعا للمفسدة، فامتنع عَمَّا كان يجب القيام به.
3- من خلال الإجماع :
إِنَّ الإجماع هو الدَّليل الثالث الذي تثبت به الأحكام. وهو في أصله قد يستند إلى القياس والمصلحة المرسلة، وَهَذَا برهان ساطع عَلَى مراعاته للعلل والمصالح والمقاصد. فإجماع الصحابة ـ مثلاً ـ عَلَى جمع القرآن وَكِتَابته إِنَّمَا كان المقصد منه: حفظه من الضياع، وصيانته من التحريف، وكذا يمكن القول في أغلب القضايا المجمع عَلَيْهَا(2) .
خلاصة المحور الثاني
مراعاة المقاصد والأهداف أمر ضروريٌّ في السيرورة المنظَّمة للحياة، سواء بالنسبة للأفراد أم المؤسَّسات أم المجتمعات. والاهتمام بالمقاصد دليل التحضُّر.
إنَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ حكيم، لا يفعل شَيْئًا عبثا، وكتاب الله تعالى ناطق بمقاصد أوامره التكوينيَّة والتكليفيَّة. فقد بَيَّنَ أَنَّهُ لم يخلقنا عبثا، بل لعبادته، وَأَنَّ الغايةَ من بعث الرسل إقامة الحجَّة، والمقصدَ من الشرائع السَّمَاوِيَّة إقامةُ نظام البشر. فضلاً عَمَّا نصَّ عَلَيْهِ من علل كثير من الأحكام الشَّرعِيَّة وحِكَمها.
(1) … البخاري: كِتَاب الحج، فضل مَكَّة وبنيانها، رقم 1506.
(2) … ينظر: الخادمي: الاجتهاد المقاصدي، 85-87.