مقاصد الشريعة الإسلامية مصطفى بن محمد شريفي

مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٣٨

في السنة النَّبَوِيَّة ما يَدُلُّ على الاهتمام بمصالح الدارين جلبًا، والتعريف بمفاسدها دفعًا، وبين المصالح والمفاسد موازنةً. ومن ذَلِكَ: النهي عن ادِّخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث لأجل الدافَّة، ثُمَّ إباحته. ومنه: أَنَّ الدوام عَلَى العبادة الشديدة قد يكون عَلَى حساب حقِّ النفس والأهل. ومنه: حديث معاذ: إذ أمره بالتخفيف في الصلاة. ومنه: إباحة النظر إِلىَ المخطوبة استثناء، مراعاةً لمصلحة دوام المودَّة بين الزوجين. كما وازن الرَّسُول J بين المصلحة والمفسدة، فقدَّم الأهمَّ دفعا للمفسدة، كما في عدم رَدِّ الكعبة إلى قواعد إبراهيم.

المحور الثالث

مدخل تاريخيٌّ لعلم مقاصد الشريعة

تمهيد :

إنَّ العمل وفق المقاصد ابتدأ منذ وجود الإنسان على وجه الأرض، بل منذ بدء الخليقة، فإنَّ الله تعالى لم يبدع الخلق، ولم يخلق أبانا آدم، وينفخ فيه من روحه، ويأمر ملائكته بالسجود له، وينزله إلى الأرض، لم يفعل كلَّ ذلك عبثا، ولم ينزل الرسل لعبا، ولم يشرِّع الأحكام لهوا، وهذا ما نصَّ عليه - عز وجل - في كثير من آيات كتابه العظيم، وعلى لسان نبيِّه الكريم محمَّد J ، وقد سبق بيان هَذَا.

وعلى الرغم من أنَّ القرآن والسنَّة أقدم ـ زمنيًّا ـ ممَّا أنتجه الأصوليُّون والفقهاء، إلاَّ أنَّهما ليسا مصدرين تاريخيَّين، بل هما أساس التشريع، صالحان لكلِّ زمان ومكان؛ لذا فلا يمكن تناولهما من المدخل التاريخيِّ، وقد سبق أن تناولناهما من الجانب التأصيليِّ؛ ونقتصر هنا على جهود العلماء، ابتداء بأعمال وفتاوى الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ثُمَّ إِلىَ تنظيرات علماء الأصول قبل الإمام الشاطبيِّ، إلى أن تبلورت مقاصد الشريعة علمًا قائما بذاته، على يد الإمام أبي إسحاق الشاطبيِّ، فمَن بَعْدَهُ.

أولاً: من مواقف الصحابة :

٣٨ / ٢٣١