مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٤١مع اتِّساع الدولة الإسلاميَّة، استجدَّت قضايا غير منصوص عليها، اضطرَّ التابعون إلى الاجتهاد بمراعاة مقاصد الشارع، وبناء أحكامهم عليها، ورأوا أَنَّ أحكام الشريعة معقولة المعنى، وأنَّها لم تشرَّع عبثا، وإنَّما لعلل ومقاصد وغايات يطلب تحقيقها، ولا بدَّ من محاولة تعرُّفها، ويظهر هذا بشكل أبرز لدى علماء مدرسة الرأي بالعراق(1) . ومن إبرزهم إبراهيم النخعي (ت: 95هـ)(2) ، الذي يؤثر عنه أَنَّهُ كان يقول: "إنَّ أحكام الله لها غايات هي حِكم ومصالح راجعة إلينا"، و"العبرة للمعاني لا للألفاظ والمباني"(3) . ومنهم التابعيُّ الإمام جابر بن زيد (ت: 93هـ)، صاحبُ ابن عبَّاس، فقد تأثَّر كثيرا بطرق شيخه في الاستدلال واستعمال الرأي(4) .
من تطبيقاتهم العمليَّة للمقاصد ما يأتي:
- حُكمُ عمر بن عبد العزيز (ت: 101هـ) بردِّ المظالم إِلىَ أهلها بأدنى بَيِّنَة ولو لم تكن قاطعةً، نظرًا لكثرة جور بني أميَّة، فإن راح يستعمل البَيِّنَة القاطعة في ردِّ حقوق المظلومين وإنصافهم ممَّن قَبْلَه من الوُلاَة فإنَّ معظم وقته سيضيع في ذلك دون أن يصل أكثرُ هؤلاء المظلومين إلى حقوقهم.
- ومنها: أمره ببناء الخانات في طريق المسافرين، لِمَا في ذلك من مصلحة، وهي توفير الراحة في الطريق الطويلة.
- ومنها: نهيُه عن تشييد المباني بمنًى، توفيرا لراحة الحجيج.
(1) … ينظر خصائص هذه المدرسة، وأسباب ظهورها مقارنة بمدرسة الحديث بالحجاز: مصطفى شريفي: محاضرات في تاريخ التشريع الإسلامي، ص32-36.
(2) … الخضري: تاريخ التشريع، ص108، 118. السايس: تاريخ الفقه، 90-91.
(3) … موسوعة فقه إبراهيم النخعي، ص132. نقلا عن الخادمي: الاجتهاد المقاصدي، ص81. وينظر: الجندي: أَهَمِّيَّة المقاصد، 47-51. زين العابدين بن العبد: مذكرة مقاصد الشريعة، ص10.
(4) … ينظر: مصطفى باجو: منهج الاجتهاد عند الإِبَاضِيَّة، 91-93.