مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٧٢إِنَّ من الأَدِلَّة الشَّرعِيَّة ما يفيد أحكاما كُلِّيَّة تندرج تحته أحكام جُزئِيَّة، مثل قَوله تَعَالىَ: ﴿ يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالعُقُودِ ﴾ (المائدة: 1) ، وقوله J : "ما أسكر كثيره فقليله حرام"(1) . فالأحكام المنتزعة من هَذِهِ النصوص تعتبر جزئيَّات لتلك القضايا الكُلِّيَّة.
وَإِنَّ من الأَدِلَّة ما يفيد أحكاما جُزئِيَّة، فانتزع منها الفقهاء أحكاما أخرى بطريق القياس، لوجود التشابه بين الأصل والفرع في وصفٍ ما.
إِلاَّ أَنَّ هناك أحكاما خفي عن المجتهدين مراد الشارع منها، فاتَّهموا عِلْمَهم وجهْدَهَم في جنب سعة الشريعة، فسمَّوه بـ"التعبُّديِّ"، أي أَنَّ الشريعة تعبَّدَتْنا بِذَلِكَ الحكم، ولم تشرح مرادها منه في نظر أولئك المجتهدين. وقد قال عمر بن الخطَّاب: "عَجَبًا لِلْعَمَّةِ تُورَثُ وَلاَ تَرِثُ!"(2) .
والحاصل أَنَّ العلماء قسَّموا الشريعة بحسب تعليلها إِلىَ ثلاثة:
- "قسم معلَّل لا محالة وهو ما كانت علَّته منصوصة، أو مومأً إِلَيْهَا، أو نحو ذَلِكَ.
- وقسم تعبُّديٌّ محض، وهو ما لا يُهتدَى إِلىَ حكمته.
- وقسم متوسِّط بين القسمين، وهو ما كانت علَّته خفيَّة، واستنبط له الفقهاء عِلَّة، واختلفوا فيه، كتحريم ربا الفضل في الأصناف الستَّة…".
(1) … رواه الترمذيُّ وقال: "حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ". كِتَاب الأشربة عن رَسُول اللهِ J ، باب ما جاء ما أسكر كثيره فقليله حرام، رقم 1865.
(2) … مالك: الموطَّأ، كِتَاب الفرائض، باب ما جاء في العمَّة، رقم 1103.