مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٧٣وفي هَذَا الصنف الأخير تباينت مواقف الفقهاء منه، فمالت الظاهريَّة إِلىَ الأخذ بالظواهر ونفي القياس، ومال البعض إِلىَ الاهتمام بالعلل، حَتَّى أنكروا صِحَّة أسانيد كثير من الآثار. ولم يسلم من الوقوع فيما يشبه أحوال الظاهريَّة بعضُ الفقهاء، فمن ذَلِكَ ما وقع لبعضهم في القتل العمد الموجب للقَوَدِ، إذ أخذوا بظاهر قوله J : "لِكُلِّ شَيْءٍ خَطَأٌ إِلاَّ السَّيْفَ"(1) ، فلم يقيسوا عَلَى السيف كُلَّ آلة محدَّدة، أو أيَّ وسيلة أخرى لإزهاق الروح، كالرمي بالصخرة، أو الإغراق مكتوفا… والصواب أَنَّ الحديث أخذ بالصفة الغالبة عَلَى آلات القتل في زمن ورود الحكم.
ومنهج الظاهريَّة في الأخذ بالظواهر ونفي القياس يُؤَدِّي إِلىَ نفي صلاحيَّة الشريعة لِكُلِّ زمان ومكان.
هـ - هل الأصل في العبادات (خُصُوصًا) التعبُّد ؟
يحرص جمهور العلماء عَلَى التفريق بين أحكام العادات والمعاملات، وبين أحكام العبادات، فالأصل في الأولى هو التعليل والالتفات إلى المصالح، والأصل في الثانية التعبُّد وعدم التعليل(2) ، ويُنسب هَذَا إلى الإمام مالك. وَلَكِنَّ هَذَا الكلام يحتاج إلى إعادة نظر.
فكثيرٌ من العبادات نجد عِلَّتها ـ أي: حِكمتها ومقصدها ـ منصوصًا عَلَيْهَا، لا مستنبطة ولا مظنونة.
ففي الصلاة قَالَ تَعَالىَ: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ ﴾ (العنكبوت: 45) ، ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْريَ ﴾ (طه: 14) .
وفي الزكاة قَالَ تَعَالىَ: ﴿ خُذْ مِنَ اَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا ﴾ (التوبة: 103) .
(1) … تمامه: "وَلِكُلِّ خَطَإٍ أَرْشٌ". رواه أحمد في أَوَّل مسند الكوفيِّين، من حديث النعمان بن بشير، رقم 17928، 17956.
(2) … ينظر: الشاطبي: الموافقات، 2/228 فما بعد. الريسوني: نَظَرِيَّة المقاصد، ص209.