مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٧٤وفي الصوم قَالَ تَعَالىَ: ﴿ يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (البقرة: 183) .
وفي الحجِّ قَالَ تَعَالىَ: ﴿ لِيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الاَنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ ﴾ (الحج: 28) .
وَكُلُّ الرُّخص المشروعة في العبادات واضحة التعليل، معقولة المعنى، كالإفطار للمسافر والمريض.
وقد اكتفينا بما نُصَّ عَلَيْهِ في القرآن الكريم، ومن المعلوم أَنَّ السُّنَّة النَّبَوِيَّة قد نصَّت عَلَى كثير من مقاصد العبادات. كُلُّ هَذَا فضلاً عَمَّا استنبطه العلماء ـ ولا يزالون(1) ـ من حِكَم في أغلب العبادات.
وبهذا يَتَّضِحُ لنا "أَنَّ الأصل في الأحكام الشَّرعِيَّة ـ العاديَّة والعباديَّة ـ هو التعليل، وَأَنَّ ما خرج عن هَذَا فهو الاستثناء"(2) .
(1) … خَاصَّةً مع الاكتشافات العِلمِيَّة الحديثة، في علم الطبِّ، والبيولوجيا، والكيمياء، وعلم النفس، والاقتصاد، ووو… وما من يوم تطلع فيه الشمس إِلاَّ ونسمع ونقرأ مكتشفات تثبت للعالم حِكمًا وفوائد جديدة لشرع الله العليم الحكيم، ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ (الملك: 14) !! .
(2) … الريسوني: نَظَرِيَّة المقاصد، ص219.
… ينبغي أَن نوضِّح أَنَّ الريسوني هنا أطلق لفظة "التعليل" وأراد به: الحِكمةَ ورعاية المصلحة، وَأَنَّهُ لا يقصد بالعلَّة المعنى الأصوليَّ الاصطلاحيَّ، والتي هي مناط الحكم، أي أَنَّ الحكم يدور مع عِلَّته وجودا وعدما. فَعَلَى سبيل المثال: إذا كانت عِلَّة الصلاة هي النهي عن الفحشاء والمنكر، فلا يمكن أن يُعفى مِنها مَن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، وَإِنَّمَا يؤمر بحسن إقامتها. وهكذا شأن سائر العبادات مع حِكمها المنصوص عليها.