مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٧٦عَلَى الفقيه إذا تحقَّق أَنَّ الحكم تعبُّديٌّ، أن يحافظ عَلَى صورته، ولا يزيد فيها ولا يضيِّع أصل التعبُّديَّة. كما في مسألة العول، فالمواريث تعبُّديَّةٌ، إذ قال تَعَالىَ: ﴿ ءابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمُے¼ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ (النساء: 11) ، وَذَلِكَ أَنَّ امرأة ماتت في عهد عمر بن الخطَّاب وتركت زوجا وأمًّا وأختا، فاتَّفق الصحابة عَلَى عدم إهمال أحد الورثة، كما لو أَنَّ رجلا مات وَعَلَيْهِ لرجالٍ سبعةُ دنانير، ولم يترك سوى سِتَّة دنانير، فَإِنَّ النقص يدخل عَلَى جميعهم. "فهاهنا نراهم قد احتفظوا عَلَى معنى التعبُّد في أصل إعطاء الجميع عَلَى نسبة واحدة، وفي عدم إهمال البعض من الورثة، وَلَكِنَّهُم لم يحتفظوا عَلَى معنى التعبُّد في المقادير لتعذُّر ذَلِكَ؛ فأدخلوا التعليل في هَذَا المكان خَاصَّةً"(1) . خلافا لابن عبَّاس الذي ترك للأخت بَقِيَّة التركة(2) ؛ لأَنَّهَا أضعف من الزوج والأمِّ، وَلأَنَّهَا قد تنتقل من الفرض إلى التعصيب. فابن عبَّاس أبى التعليل، إذ لم ينقص من حقِّ الزوج والأمِّ شَيْئًا، حفاظا عَلَى معنى التعبُّد، "وَلَكِنَّهُ أعمل شَيْئًا من الترجيح بالتنظير"(3) .
وعَلَى أَيمَّة الفقه ـ من جهة ـ أن لا يتسرَّعوا إِلىَ القول في أحكام المعاملات بِأَنَّهَا تعبُّديَّة، "وأن يوقنوا بِأَنَّ ما ادُّعي التعبُّد فيه إِنَّمَا هي أحكام قد خفيت عللها أو دقَّت، فَإِنَّ كثيرا من أحكام المعاملات التي تلقَّاها بعض الأَئِمَّة تلقِّي الأحكام التعبُّديَّة قد عانى المسلمون من جرَّائها متاعب جمَّة في معاملاتهم"(4) .
(1) … ابن عاشور: مقاصد، ص46.
(2) … بعد أخذ الزوجِ النصفَ، والأمِّ الثلثَ، لا يبقى لها غير السدس.
(3) … المصدر نفسه، ص46-47.
(4) … ابن عاشور: مقاصد، ص47.