مقاصد الشريعة لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٨١التواتر المعنويُّ الحاصل من مشاهدة عموم الصحابة أَو آحادهم لعمل النَّبِيِّ J ، وَإِلىَ هَذَا النوع يرجع المعلوم من الدين بالضرورة، أو ما يقرب منه، كتشريع الصدقة الجارية. ومثاله أَيضًا ما رواه البخاريُّ في صحيحه عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنَّا عَلَى شَاطِئِ نَهَرٍ بِالأَهْوَازِ قَدْ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ، فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ عَلَى فَرَسٍ، فَصَلَّى وَخَلَّى فَرَسَهُ، فَانْطَلَقَتِ الْفَرَسُ، فَتَرَكَ صَلاَتَهُ وَتَبِعَهَا حَتَّى أَدْرَكَهَا، فَأَخَذَهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَضَى صَلاَتَهُ، وَفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ! تَرَكَ صَلاَتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ!! فَأَقْبَلَ فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ J، وَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي مُتَرَاخٍ، فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُهُ لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ J فَرَأَى مِنْ تَيْسِيرِهِ(1) . "فمشاهدته أفعال رَسُول الله J المتَعَدِّدَة استخلص منها أَنَّ من مقاصد الشريعة التيسير، فرأى أَنَّ قطع الصلاة من أجل إدراك فرسه، ثُمَّ العود إِلىَ استئناف صلاته أَوْلى من استمراره عَلَى صلاته مع تجشُّم مشقَّة الرجوع إِلىَ أهله راجلا، فَهَذَا المقصد بالنسبة إِلىَ أبي برزة مظنون ظنًّا قريبا من القطع، وَلَكِنَّهُ بالنسبة إِلىَ غيره الذين يُروَى إِلَيْهِم خبره مقصدٌ محتمَل؛ لأَنَّهُ يُتلقَّى منه عَلَى وجه التقليد"(2) .
د- الطريق الرابع : العقل والفطرة :
(1) … البخاري: كِتَاب الأدب، باب قول النَّبِيِّ J: يسِّروا ولا تعسِّروا، وكان يحِبُّ التخفيف، رقم 5776.
(2) … ابن عاشور: مقاصد، 22.