الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣٨٤...........................................
------------------
ذَلِكَ؟ وَلَوْ كَفَى الْعَقْلُ لَمْ يُرْسِلْ اللَّهُ تَعَالَى الرُّسُلَ وَلَمْ يُنَزِّلْ الْكُتُبَ، وَلَمَا قَالَ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ وَلَمَا
قَالَ: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ الْآيَةُ، وَلَمَا قَالَ: ﴿أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ﴾ الْآيَةُ، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فَالضَّلَالَةُ وَالِاهْتِدَاءُ بَعْدَ الرِّسَالَةِ: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا﴾ الْآيَةُ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾.
ثُمَّ إنَّ التَّفْكِيرَ الَّذِي يَعْرِفُونَ بِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ كَسْبًا أَوْ اضْطِرَارًا، فَإِنْ كَانَ كَسْبًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ طَاعَةً، فَكَيْفَ يُطِيعُ اللَّهَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَيُفْرِدْهُ؟؛ لِأَنَّهُ حَالَ التَّفَكُّرِ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا بَلْ يَتَعَاطَى الْإِدْرَاكَ؟ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً فَكَيْفَ يَعْصِي بِمَا هُوَ سَبَبُ الْمَعْرِفَةِ؟ وَإِنْ كَانَ اضْطِرَارًا دَخَلُوا فِي الْجَبْرِ وَقَدْ أَبَوْهُ، ثُمَّ إنْ جَعَلُوا الْفِكْرَ حَالَ الطُّفُولِيَّةِ فَالْأَطْفَالُ مَرِيدُونَ مُسْتَطِيعُونَ لِلْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ إذًا فَمَا وَجْهُ تَأَخُّرِ تَكْلِيفِهِمْ وَإِبَاحَةِ الْكُفْرِ لَهُمْ حَتَّى يَتَفَكَّرُوا، وَإِنْ جَعَلُوهُ حَالَ الْبُلُوغِ لَزِمَهُمْ إبَاحَةُ الْكُفْرِ لَهُمْ حَتَّى يَتَفَكَّرُوا وَرَجَعُوا إلَى قَوْلِنَا: إنَّ الْإِرَادَةَ مَعَ الْمُرَادِ، وَالِاسْتِطَاعَةَ مَعَ الْفِعْلِ، وَمَنْ وَسِعَهُ الْجَهْلُ بِاَللَّهِ فِي حَالِ مَا لَزِمَ أَنْ يَسَعَهُ فِي كُلِّ حَالٍ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَحْوَالِ الْمُكَلَّفِ الَّتِي هُوَ فِيهَا عَاقِلٌ، ثُمَّ إنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْبُلُوغِ عَارِفًا فَلَا حَاجَةَ لِلتَّفَكُّرِ وَإِلَّا لَمْ يُغْنِ عَنْهُ تَفَكُّرُهُ شَيْئًا إذْ لَمْ يَعْرِفْ