الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٤٦٩..................................................
----------------
لَحْمٍ " أَيْ قِطْعَةُ لَحْمٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْحَدِيثِ: ﴿لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ بِحِمَالَةٍ بَيْنَ قَوْمٍ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ فَيَسْأَلُ حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قِوَامًا - بِكَسْرِ السِّينِ وَالْقَافِ - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ وَأَنَّهُ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ السُّؤَالِ فَهُوَ سُحْتٌ﴾ وَلَا يَخْفَى أَنَّ بَعْثَ الْإِنْسَانِ لَا مُزْعَةَ لَحْمٍ فِي
وَجْهِهِ عُقُوبَةٌ لَا تَكُونُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَالْخَدْشُ أَوْ الْخَمْشُ وَالْكَدْحُ مِثْلُ ذَلِكَ أَوْ دُونَهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَكْرُوهًا مَا عُوقِبَ بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْعِقَابَ يَخْتَصُّ بِالْكَبِيرَةِ إذْ الْمَكْرُوهُ لَا عِقَابَ فِيهِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ إلَّا أَنْ يُقَالَ كَرَاهَةٌ شَدِيدَةٌ تَلْحَقُ بِالتَّحْرِيمِ، وَظَاهِرُ السُّؤَالَاتِ أَنَّ السُّؤَالَ إمَّا مُبَاحٌ أَوْ حَرَامٌ فَيَحْمِلُ الْأَحَادِيثَ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا كُلَّهَا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَفِي الْقَنَاطِرِ: أَنَّهُ يَكُونُ أَيْضًا مَكْرُوهًا، وَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى عَنْ ظَهْرِ غِنًى؟ قُلْتُ: شَبَّهَ فِي نَفْسِهِ الْغَنِيَّ بِالدَّابَّةِ بِجَامِعِ الِانْتِفَاعِ بِكُلٍّ، وَالتَّوَصُّلِ بِكُلٍّ إلَى الْمَقْصُودِ وَالْكِفَايَةِ بِكُلٍّ عَنْ غَيْرِهِ، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِلَازِمِ الدَّابَّةِ وَهُوَ الظَّهْرُ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَأَلَ حَالَ كَوْنِهِ مُنْتَقِلًا عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَنَازِلًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ حَاجِزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُقُوبَةِ بِمَا ذُكِرَ وَلَمْ يَقُلْ مَنْ سَأَلَ عَنْ غِنًى؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَيَحْتَمِلُ مَعْنًى آخَرَ أَيْ: سَأَلَ بِسَبَبِ الْغِنَى لِيُحَصِّلَهُ.
وَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ الِاشْتِرَاطِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿: حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ﴾؟ قُلْتُ: اشْتِرَاطُ الشَّهَادَةِ لِيُزِيلَ السَّائِلُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ التُّهْمَةَ بِإِرَادَةِ التَّكَاثُرِ وَبِاقْتِحَامِ عَارِ السُّؤَالِ، فَإِنَّهُ عَارٌ عَادَةً وَشَرْعًا وَاقْتِحَامُ عُقُوبَتِهِ، وَلِيَكُونَ أَدْعَى لِلْإِعْطَاءِ، وَاشْتِرَاطُ الثَّلَاثِ تَسْهِيلًا لَهُ بِأَنْ يَكْفِيَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَهْلِ الْجُمْلَةِ وَلَمْ يُكَلِّفْهُ بِعَدْلَيْنِ مُرْضِيَّيْنِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِنْ أَهْلِ الْحِجَا أَيْ الْعَقْلِ، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ أَهْلِ الْبِرِّ وَالصَّلَاحِ، وَقَالَ: مِنْ