شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٤٧٦

..........................................................

--------------

عَلَى مَا صَنَعَ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَنْفَعَنَا اللَّهُ بِهِ، وَقَدْ قِبَلَ تَوْبَتَهُ، وَنَخَافُ أَنْ نَسْأَلَ عَنْهُ إنْ تَرَكْنَاهُ غَيْرَ مَدْفُونٍ وَلَا بُدَّ لَكُمْ أَنْ تَصْبِرُوا حَتَّى تَحْفِرُوا لَهُ قَبْرًا وَتَدْفِنُوهُ فِيهِ، فَقَالُوا: هَذَا مَوْضِعٌ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اسْأَلُوا الدَّلِيلَ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: إنَّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَاعَةً وَلَكِنْ أَرْسِلُوا مَعِي رَجُلًا وَاحِدًا وَإِنَاءً آتِيكُمْ بِالْمَاءِ فَأَخَذَ الدَّلِيلُ دَلْوًا وَسَارَ إلَى الْمَاءِ.

وَلَمَّا خَرَجَ مِنْ الْقَافِلَةِ إذَا هُوَ بِغَدِيرٍ مِنْ الْمَاءِ فَقَالَ الدَّلِيلُ: هَذَا هُوَ الْعَجَبُ الَّذِي مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ هَذَا مَوْضِعٌ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ وَلَا عَلَى قَرِيبٍ مِنْهُ فَرَجَعَ إلَيْهِمْ وَقَالَ قَدْ كُفِيتُمْ الْمُؤْنَةُ فَعَلَيْكُمْ بِالْحَطَبِ، فَجَمَعُوهُ لِيُسَخِّنُوا بِهِ الْمَاءَ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ فَجَاءُوا إلَى الْمَاءِ لِيَأْخُذُوا مِنْهُ فَوَجَدُوهُ سُخْنًا يَغْلِي فَازْدَادُوا تَعَجُّبًا وَفَزِعُوا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَقَالُوا: إنَّ لِهَذَا الْعَبْدِ قِصَّةً وَشَأْنًا فَأَخَذُوا فِي حَفْرِ قَبْرِهِ فَوَجَدُوا التُّرَابَ أَلْيَنَ مِنْ الزُّبْدِ وَأَشَدَّ رَائِحَةً مِنْ الْمِسْكِ الْأَذْفَرُ لَمْ يَشُمُّوا أَطْيَبَ مِنْهُ، فَاشْتَدَّ خَوْفُهُمْ وَمُلِئُوا رُعْبًا وَضَرَبُوا لَهُ خِبَاءً وَأَدْخَلُوهُ فِيهِ وَغَسَّلُوهُ وَتَنَافَسُوا فِي كَفَنِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَنَا أُكَفِّنُهُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أُكَفِّنُهُ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ أَنْ يَجْعَلَ كُلُّ

وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُوبَا ثُمَّ كَتَبُوا صِفَتَهُ لَعَلَّ أَحَدًا يَعْرِفُهُ إذَا وَصَلُوا الْمَدِينَةَ.

وَلَمَّا أَرَادُوا كَفَنَهُ وَجَدُوهُ مُكَفَّنًا بِكَفَنٍ مِنْ الْجَنَّةِ لَمْ يَرَ الرَّاءُونَ مِثْلَهُ وَعَلَيْهِ مِسْكٌ وَعَنْبَرٌ وَمَلَأَتْ رَائِحَتُهُ أُنُوفَهُمْ، وَعَلَى جَبِينِهِ خَاتَمٌ مِنْ مِسْكٍ، وَكَذَا عَلَى قَدَمَيْهِ، فَقَالُوا: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ كَفَّنَهُ وَأَغْنَاهُ عَنْ أَكْفَانِ الْعِبَادِ وَنَرْجُو اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ لَنَا الْجَنَّةَ وَرَحِمَنَا بِهَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ وَنَدِمُوا نَدَامَةً شَدِيدَةً عَلَى تَرْكِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى مَاتَ بِالْبَرْدِ، ثُمَّ إنَّهُمْ حَمَلُوهُ لِيَدْفِنُوهُ وَصَلُّوا عَلَيْهِ وَلَمَّا كَبَّرُوا سَمِعُوا صَوْتَ التَّكْبِيرِ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ وَمِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ، وَانْخَلَعَتْ أَفْئِدَتُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ، وَلَمْ يَدْرُوا مَا صَلُّوا عَلَيْهِ مِنْ الْفَزَعِ،

١٠٬١١٤ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.