شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٤٧٥

......................................

---------------

يُرِيدُونَ مَكَّةَ وَمَدِينَةَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قَالَ: فَإِذَا نَحْنُ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَقَدْ خَرَجَ مَعَنَا بِهِ أَدْمَةٌ فِي شَعْرِهِ وَهُوَ مُصْفَرُّ اللَّوْنِ ذَهَبَ الدَّمُ مِنْ وَجْهِهِ مِمَّا بَلَغَتْ فِيهِ الْعِبَادَةُ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ خَلِقَةٌ مِنْ رِقَاعٍ شَتَّى، وَبِيَدِهِ عَصًى وَمَعَهُ مِزْوَدٌ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الزَّادِ وَهُوَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ وَأَنْكَرَهُ أَهْلُ الرُّفْقَةِ وَقَالُوا: نَظُنُّكَ عَبْدًا قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَمْلُوكٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: نَظُنُّ أَنَّكَ عَبْدُ سُوءٍ هَرَبَتْ مِنْ مَوْلَاكَ؟ قَالَ لَهُمْ: نَعَمْ قَالُوا: كَيْفَ رَأَيْتَ نَفْسَكَ حِينَ هَرَبْتَ مِنْ مَوْلَاكَ وَمَا صَارَ حَالُكَ إلَيْهِ؟ أَمَّا إنَّكَ لَوْ أَقَمْتَ عِنْدَهُ مَا كَانَتْ حَالَتُكَ هَذِهِ؟ وَإِنَّمَا أَنْتَ عَبْدُ سُوءٍ مُقَصِّرٌ، فَقَالَ لَهُمْ: نَعَمْ وَاَللَّهِ إنِّي لَعَبْدُ سُوءٍ وَنِعْمَ الْمَوْلَى مَوْلَايَ وَمِنْ قِبَلِي التَّقْصِيرُ، وَلَوْ أَطَعْتُهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي هَذَا، وَجَعَلَ يَبْكِي حَتَّى كَادَتْ نَفْسُهُ تُزْهَقُ فَرَحِمَهُ الْقَوْمُ وَظَنُّوا أَنَّهُ مَوْلَى، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ عَبْدٌ لِرَبِّ الْعِزَّةِ جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْقَافِلَةِ: لَا تَخَفْ أَنَا آخُذُ لَكَ مِنْ مَوْلَاكَ الْأَمَانَ فَارْجِعْ إلَيْهِ وَتُبْ فَقَالَ: أَنَا رَاجِعٌ إلَيْهِ وَرَاغِبٌ فِيمَا عِنْدَهُ وَمَضَوْا حَتَّى خَرَجُوا إلَى زِيَارَةِ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَارَتْ الْقَافِلَةُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَسَارَ مَعَهُمْ وَجَدُّوا فِي الْمَسِيرَةِ.

وَلَمَّا كَانُوا لَيْلًا نَزَلُوا فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَكَانَتْ لَيْلَةً شَاتِيَةً بَارِدَةً كَثِيرَةَ الْمَطَرِ، فَآوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَافِلَةِ إلَى رَحْلِهِ وَخِبَائِهِ وَلَمْ يَأْوِ أُوَيْسٌ إلَى شَيْءٍ وَلَمْ يَسْأَلْ شَيْئًا وَقَدْ آلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَسْأَلَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا مِنْ مَخْلُوقٍ، وَإِنَّمَا تَكُونُ حَوَائِجُهُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَبَلَغَ بِهِ الْبَرْدُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَبْلَغًا شَدِيدًا حَتَّى اضْطَرَبَتْ جَوَارِحُهُ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ سُلْطَانُ الْبَرْدِ

حَتَّى مَاتَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَلَمَّا أَصْبَحَ وَأَرَادُوا الرَّحِيلَ نَادَوْهُ: قُمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ رَحَلُوا فَأَتَاهُ رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنْهُ فَحَرَّكَهُ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا رَحِمَهُ اللَّهُ، فَنَادَى: يَا أَهْلَ الْقَافِلَةِ إنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ عَلَى سَيِّدِهِ قَدْ مَاتَ وَلَا يَصْلُحُ لَنَا الرَّحِيلُ حَتَّى تَدْفِنُوهُ قَالُوا: وَمَا الْحِيلَةُ فِي أَمْرِهِ؟.

فَقَالَ لَهُمْ رَجُلٌ صَالِحٌ كَانَ مَعَهُمْ: إنَّ هَذَا الْعَبْدَ كَانَ تَائِبًا رَاجَعَا إلَى مَوْلَاهُ نَادِمًا

١٠٬١١٣ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.