الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٥١٢.......................................
------------
بَعْضَ النَّاسِ يُؤَدِّبُ أَوْلَادَهُ تَأْدِيبًا بَلِيغًا وَيُلْزِمُهُمْ الْبَيْتَ، وَذَكَرَ لِي يَوْمًا حَالَهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ وَالدَّرْسِ فَقُلْتُ لَهُ: لَوْ أَنَّكَ تُسَرِّحُهُمْ يَلْعَبُونَ قَلِيلًا لِيَسْتَرِيحُوا فَيَقْوَى فَهْمُهُمْ وَلَا يَمَلُّوا وَذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: يُؤَدَّبُ الطِّفْلُ عَلَى اللَّعِبِ مُطْلَقًا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ يُرِيدُ الْغَزَالِيُّ اللَّعِبَ فِي الدَّارِ وَالِانْبِسَاطَ إلَى الِانْتِقَالِ فِيهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلَّمَ طَاعَةَ مُعَلَّمِهِ وَمُؤَدِّبِهِ وَمَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا وَلَوْ أَجْنَبِيًّا وَلَا سِيَّمَا أَبَوَاهُ، وَإِذَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ أُمِرَ بِالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى حَدِّ مَا مَرَّ فِي مَحَلِّهِ، وَيُؤْمَرُ بِصَوْمِ بَعْضِ رَمَضَانَ وَيُعَلَّمُ حُدُودَ الشَّرْعِ، وَيُخَوَّفُ مِنْ السَّرِقَةِ وَالْحَرَامِ وَمَا لَا يَجُوزُ لِيَعْتَادَ الْحَقَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَإِذَا بَلَغَ أَوْ قَارَبَ عَلَّمُوهُ أَنَّ الطَّعَامَ لِلْقُوَّةِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَأَنَّ الدُّنْيَا تَفْنَى، وَإِنَّمَا هِيَ لِلْعِبَادَةِ وَالْكَيِّسُ الْعَاقِلُ يَتَزَوَّدُ مِنْهَا لِلْآخِرَةِ فَتَعْظُمُ دَرَجَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ وَيَتَّسِعُ لَهُ النَّعِيمُ فِي الْآخِرَةِ.
قَالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيِّ: كُنْتُ وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ أَقُومُ بِاللَّيْلِ وَأَنْظُرُ إلَى صَلَاةِ خَالِي مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ فَقَالَ لِي يَوْمًا: أَلَا تَذْكُرُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكَ؟ فَقُلْتُ: كَيْفَ
أَذْكُرُهُ؟ قَالَ: قُلْ بِقَلْبِكَ عِنْدَ تَقَلُّبِكَ فِي ثِيَابِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُحَرِّكَ بِهِ لِسَانَكَ: اللَّهُ مَعِي اللَّهُ نَاظِرٌ إلَيَّ اللَّهُ شَاهِدِي؛ فَقُلْتُ ذَلِكَ لَيَالِيَ ثُمَّ أَعْلَمْتُهُ، فَقَالَ: قُلْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَقُلْتُ ذَلِكَ فَلَمَّا أَعْلَمْتُهُ، فَقَالَ: قُلْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً فَقُلْتُهُ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي حَلَاوَتُهُ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَنَةٍ قَالَ لِي خَالِي: احْفَظْ مَا عَلَّمْتُكَ وَدُمْ عَلَيْهِ إلَى أَنْ تَدْخُلَ الْقَبْرَ فَإِنَّهُ يَنْفَعُكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلَمْ أَزَلْ عَلَى ذَلِكَ سِنِينَ فَوَجَدْتُ لَهُ حَلَاوَةً فِي سِرِّيِّ، قَالَ لِي خَالِي يَوْمًا: يَا سَهْلُ مَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ وَنَاظِرًا إلَيْهِ وَشَاهِدَهُ فَكَيْفَ يَعْصِيهِ؟ إيَّاكَ وَالْمَعْصِيَةَ؛ فَكُنْتُ أَخْلُو بِنَفْسِي فَبَعَثُوا بِي إلَى الْمَكْتَبِ فَقُلْتُ: إنِّي لِأَخْشَى أَنْ يَتَفَرَّقَ عَلَيَّ هَمِّي وَلَكِنْ شَارِطْ الْمُعَلِّمَ أَنْ أَذْهَبَ إلَيْهِ سَاعَةً وَأَعُودُ فَحَفِظْتُ الْقُرْآنَ وَأَنَا ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، وَكُنْتُ أَصُومُ الدَّهْرَ وَقُوَّتِي مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً فَوَقَعَتْ لِي