الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٥١٩..................................................
-----------------
أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}، وَبِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِقَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: كُنَّا نَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَلَا نَأْتِيهِ وَنَنْهَى عَنْ الشَّرِّ وَنَأْتِيهِ﴾، وَبِمَا رُوِيَ ﴿أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: عِظْ نَفْسَكَ فَإِنْ اتَّعَظَتْ فَعِظْ النَّاسَ وَإِلَّا فَاسْتَحِي مِنِّي﴾ وَرُبَّمَا اسْتَدَلُّوا مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ أَنَّ تَقْوِيمَ الْغَيْرِ فَرْعُ الِاسْتِقَامَةِ وَالْإِصْلَاحُ زَكَاةٌ عَنْ نِصَابِ الصَّلَاحِ فَمَنْ لَيْسَ بِصَالِحٍ فِي نَفْسِهِ فَكَيْفَ يُصْلِحُ غَيْرَهُ وَمَتَى يَسْتَقِيمُ الظِّلُّ وَالْعُودُ أَعْوَجُ؟ قَالَ: وَكُلُّ مَا ذَكَرُوهُ خَيَالَاتٌ، وَالْحَقُّ أَنَّ عَلَى الْفَاسِقِ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الْعِصْمَةُ عَنْ الْمَعَاصِي كُلِّهَا، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ.
أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى حَتَّى يَكُونَ مَعْصُومًا فَقَدْ خَرَقَ الْإِجْمَاعَ وَحَسَمَ بَابَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إذْ لَا عِصْمَةَ لِلصَّحَابَةِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ، وَالْأَنْبِيَاءُ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي عِصْمَتِهِمْ مِنْ الصَّغَائِرِ وَالْقُرْآنُ دَلَّ عَلَى نِسْبَةِ الْأَنْبِيَاءِ إلَى الْمَعْصِيَةِ وَالظُّلْمِ لِأَنْفُسِهِمْ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنْ لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ إلَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ
لَمْ تَعْلَمُوا بِهِ كُلِّهِ، وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ كُلِّهِ،} قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا أَنَّ الِاحْتِسَابَ تَارَةً يَكُونُ بِالْوَعْظِ وَلَا يَنْفَعُ وَعْظُ مَنْ لَا يَتَّعِظُ عِنْدَ مَنْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَيَكُونُ الِاحْتِسَابُ تَارَةً بِالْقَهْرِ وَالْمَنْعِ