شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٥٤٣

..................................................

----------------------

وَتَثْبُتُ الْحُقُوقُ وَتُحْقَنُ الدِّمَاءُ، وَتُسْتَحَلُّ الْفُرُوجُ، فَهَلَّا إذْ عَتَبَ عَلَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِشَيْءٍ لَا ذَنْبَ فِيهِ عَلَيْنَا وَقَالَ بِالْغَيْظِ بَعْضَ مَا قَالَ وَأَتَيْتَ لِإِبْلَاغِنَا سَأَلْتَ بِأَهْوَنَ وَعَرَّضْتَ بِأَنَّهُ كَارِهٌ فَفَهِمْنَا مِنْكَ وَأَجَبْنَاكَ بِمَا يَصْلُحُ بِهِ الْجَوَابُ فَكُنْتَ كَتَمْتَ عَلَى السُّلْطَانِ وَلَمْ تُفْشِ سِرَّهُ فَقَمِنٌ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتَمَادَى عَلَى ذَلِكَ الرَّأْيِ فِينَا وَلَا يَعْتَقِدُ هَذَا الْمُعْتَقَدَ فِي صِفَتِنَا وَأَنَّهُ سَيُرَاجِعُ بَصِيرَتَهُ فِي آثَارِنَا وَتَعْزِيرِنَا، فَلَوْ كُنَّا عِنْدَهُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي وَصَفْتَهَا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ لَبَطَلَ عَنْهُ كُلُّ مَا صَنَعَهُ وَعَقَدَهُ مِنْ أَوَّلِ الْخِلَافَةِ إلَى هَذَا الْوَقْتِ، فَمَا يَثْبُتُ لَهُ

كِتَابٌ مِنْ حَرْبِ وَلَا سِلْمٍ، وَلَا شِرَاءٌ وَلَا بَيْعٌ، وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا حَبْسٌ، وَلَا هِبَةٌ وَلَا عِتْقٌ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا بِشَهَادَتِنَا هَذَا مَا عِنْدَنَا وَالسَّلَامُ؛ ثُمَّ قَامُوا مُنْصَرِفِينَ، فَلَمْ يَكَادُوا يَبْلُغُونَ بَابَ الْقَصْرِ إلَّا وَالرُّسُلُ تُنَادِيهِمْ ارْجِعُوا فَادْخُلُوا الْقَصْرَ فَتَلَقَّاهُمْ الْوُزَرَاءُ بِالْإِعْظَامِ وَرَفَعُوا مَنَازِلَهُمْ وَاعْتَذَرُوا عَمَّا كَانَ مِنْ صَاحِبِهِمْ وَقَالُوا لَهُمْ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَعْتَذِرُ إلَيْكُمْ عَمَّا فَرَّطَ وَيَسْتَجِيرُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَنَزْغَتِهِ وَحَمْلِهِ عَلَى الْجَفَاءِ عَلَيْكُمْ وَيُعْلِمُكُمْ أَنَّهُ نَادِمٌ عَلَى مَا كَانَ مُسْتَبْصِرًا فِي تَعْظِيمِكُمْ وَقَضَاءِ حُقُوقِكُمْ وَقَدْ أَمَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِكِسْوَةٍ وَصِلَةٍ فَدَعَوْا لَهُ وَانْصَرَفُوا غَالِبِينَ لَا يَمَسُّهُمْ سُوءٌ.

قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ: وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ: هَذَا هَارُونُ الرَّشِيدُ فِي الطَّوَافِ قَدْ أُخْلِيَ لَهُ الْمَسْعَى فَقَالَ لَهُ: لَا جَزَاكَ اللَّهُ عَنِّي خَيْرًا كَلَّفْتنِي أَمْرًا كُنْتُ عَنْهُ غَنِيًّا، ثُمَّ جَاءَ إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: يَا هَارُونُ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ قَالَ لَهُ: لَبَّيْكَ يَا عَمُّ، فَقَالَ: كَمْ هَاهُنَا مِنْ خَلْقٍ؟ قَالَ لَا يُحْصِيهِمْ إلَّا اللَّهُ، قَالَ: اعْلَمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسْأَلُ عَنْ خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَأَنْتَ وَحْدَكَ تُسْأَلُ عَنْهُمْ كُلُّهُمْ أَنْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ، قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ الرَّشِيدُ وَجَلَسَ فَجَعَلُوا يُعْطُونَهُ مِنْدِيلًا لِلدُّمُوعِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: وَاَللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ يُسْرِعُ فِي مَالِ نَفْسِهِ فَيَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِمَنْ أَسْرَعَ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَيُقَالُ: إنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ كَانَ يَقُول بَعْدَ

١٠٬١٨١ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.