الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٥٩٣وَقَدْ يَتَفَاضَلُ الْعِبَادُ فِيهِمَا
--------------------
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يُخَيِّبَ آمَالَنَا.
وَأَمَّا الْمَعَادُ فَكَمَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةُ: دَخَلْتُ مَعَ الشَّعْبِيِّ عَلَى مَرِيضٍ نَعُودُهُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يُلَقِّنُهُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ الشَّعْبِيُّ: اُرْفُقْ بِهِ، فَتَكَلَّمَ الْمَرِيضُ فَقَالَ: إنْ تُلَقِّنِّي أَوْ لَا تُلَقِّنِّي فَإِنِّي لَا أَدَعُهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّى صَاحِبَهَا.
وَكَمَا رُوِيَ أَنَّ الْفُضَيْلَ دَخَلَ عَلَى تِلْمِيذٍ لَهُ مُحْتَضِرٌ وَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَرَأَ سُورَةَ (يس) فَقَالَ: يَا أُسْتَاذُ لَا تَقْرَأْ هَذِهِ، فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: لَا أَقُولُهَا إنِّي مِنْهَا بَرِيءٌ، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ، فَدَخَلَ الْفُضَيْلُ بَيْتَهُ يَبْكِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْبَيْتِ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي النَّوْمِ وَهُوَ يُسْحَبُ إلَى جَهَنَّمَ، فَقَالَ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ نَزَعَ اللَّهُ مِنْكَ الْمَعْرِفَةَ وَكُنْتَ أَعْلَمَ تَلَامِيذِي؟ فَقَالَ: بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ أَصْحَابِي
، وَبِحَسَدِي لَهُمْ، وَبِالْخَمْرِ كَانَتْ لِي عِلَّةٌ فَجِئْتُ إلَى الطَّبِيبِ وَسَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ: اشْرَبْ كُلَّ سَنَةٍ قَدَحًا مِنْ خَمْرٍ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ تَقُمْ بِكَ الْعِلَّةُ، فَكُنْتُ أَشْرَبُهُ (وَقَدْ يَتَفَاضَلُ الْعِبَادُ فِيهِمَا) بَعْضُ الْخَلْقِ أَعْظَمُ خَوْفًا مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَلَائِكَةُ أَشَدُّ خَوْفًا وَبَعْدَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالتَّفَاضُلِ أَنْ يَكُونَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ أَعْظَمَ مِنْ خَوْفِ غَيْرِهِ وَرَجَائِهِ، وَإِلَّا فَكَوْنُ الْخَوْفِ أَوْ الرَّجَاءِ أَعْظَمَ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ، إلَّا إنْ جَازَ كَوْنُ خَوْفِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْأَنْبِيَاءِ أَعْظَمَ، وَلَيْسَ الْأَوْلِيَاءُ الَّذِينَ يَمُوتُونَ خَوْفًا بِأَشَدَّ خَوْفًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ وَلَا بِأَشَدَّ خَوْفًا، وَلَكِنْ قَوَّى اللَّهُ قُلُوبَ الْأَنْبِيَاءِ وَخَوْفُهُمْ