الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٥٩٤وَبِلَا مِيلٍ لَا يَأْسٍ أَوْ أَمْنٍ.
----------------
خَوْفُ عِقَابٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِي أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ وَرَجَاؤُهُمْ رَجَاءُ ثَوَابٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ - إلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ لِأَنَّ الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ عِبَادَةٌ تَعَبَّدَ اللَّهُ بِهَا الْمُكَلَّفِينَ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَلَزِمَا الْمُكَلَّفَ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا، وَلِكَوْنِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ عِبَادَةً كَالصَّلَاةِ كُلِّفَ بِهَا مَنْ عُلِمَ مَصِيرُهُ كَالْأَنْبِيَاءِ وَبَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَالْمُنَاسِبُ لِهَذَا أَنْ يَكُونَ خَوْفُ الْأَنْبِيَاءِ وَنَحْوِهِمْ خَوْفَ إجْلَالٍ، وَقَدْ قِيلَ: خَوْفُهُمْ خَوْفُ إجْلَالٍ وَرَجَاءِ رَحْمَةٍ.
وَقِيلَ: خَوْفُ مَلَامَةٍ وَطُولِ حِسَابٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلًا خَائِفِينَ خَوْفَ عِقَابٍ ثُمَّ إذَا وَصَلُوا الْحَدَّ الْمَعْلُومَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَخَافُونَ بَعْدَ ذَلِكَ خَوْفَ إجْلَالٍ، وَلَعَلَّ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ: وَلَا يَعْمَلُونَ
فِيهِمَا إلَّا الْوَاجِبَ، أَنَّ الْعِبَادَ وَلَوْ تَفَاضَلُوا فِي الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَبَلَغَ أَحَدٌ فِيهِمَا مَا بَلَغَ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْحَدِّ الْوَاجِبِ لِأَنَّهُمَا وَاجِبَانِ عَلَيْهِ مَا دَامَ حَيًّا، وَلَا يَظْهَرُ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ فَهُمَا أَبَدًا فِي الْوُجُوبِ، وَذَلِكَ بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى اللَّامِ، وَأَمَّا بِتَأْخِيرِهَا فَلَعَلَّ الْأَصْلَ لَا يَعْلَمُونَ فِيهِمَا حَدَّ الْوَاجِبِ فَحَرَّفَهُ نَاسِخٌ.
(وَبِلَا مِيلٍ لَا يَأْسٍ أَوْ أَمْنٍ) قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابٍ لَهُ سَمَّاهُ الْعَقَبَاتُ: لَقَدْ قِيلَ إنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الرَّجَاءُ صَارَ مُرْجِيًا، وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْخَوْفُ صَارَ حَرُورِيًّا، وَلَعَلَّ قَائِلَ ذَلِكَ أَرَادَ بِالْحَرُورِيِّ: أَهْلَ حَرُورَاءَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ الصِّفْرِيَّةِ لَا أَصْحَابِنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، لِأَنَّا لَا نَقُولُ: كُلُّ ذَنْبٍ أَوْ كُلُّ كَبِيرَةٍ شِرْكٌ كَمَا تَقُولُهُ الصِّفْرِيَّةُ، قَالَ: وَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَنْفَرِدَ الْمُكَلَّفُ بِأَحَدِهِمَا وَإِلَّا فَإِنَّ الرَّجَاءَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَنْفَكُّ