الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ١٠٠........................
----------------
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: فَلَوْ كَانَ فِي جِهَةٍ أَصْلٌ وَفِي أُخْرَى أَصْلَانِ قُدِّمَا جَزْمًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِتَعَارُضِهِمَا تَقَابُلَهُمَا عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فِي التَّرْجِيحِ، فَإِنَّ هَذَا كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ، بَلْ الْمُرَادُ التَّعَارُضُ بِحَيْثُ يَتَخَيَّلُ النَّاظِرُ فِي ابْتِدَاءِ نَظَرِهِ، فَإِذَا حَقَّقَ فِكْرَهُ رَجَّحَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ﴾، أَيْ مِنْ حَيْثُ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ لِخَفَاءِ النَّصِّ فِيهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَنْقُلْهُ إلَّا الْقَلِيلُ، وَلِتَعَارُضِ نَصَّيْنِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ الْمُتَأَخِّرِ، أَوْ لِعَدَمِ نَصٍّ صَرِيحٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ عُمُومٍ أَوْ مَفْهُومٍ أَوْ قِيَاسٍ، وَبِهَذَا يَكْثُرُ اخْتِلَافُ إفْهَامِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ، أَوْ لِاحْتِمَالِ الْأَمْرِ فِيهِ لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالنَّهْيِ لِلْكَرَاهَةِ وَالْحُرْمَةِ أَوْ لِنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا فَلَا بُدَّ فِي الْأُمَّةِ مِنْ عَالِمٍ يُوَافِقُ الْحَقَّ قَوْلُهُ فَيَكُونُ هُوَ الْعَالِمَ بِهَذَا الْحُكْمِ وَغَيْرُهُ يَكُونُ الْأَمْرُ مُشْتَبِهًا عَلَيْهِ، وَخَرَجَ بِالْحَيْثِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا عِلْمُهُمْ مِنْ حَيْثُ إشْكَالِهِمْ لِتَرَدُّدِهِنَّ بَيْنَ أُمُورٍ مُحْتَمَلَةٍ لِأَنَّ عِلْمَ كَوْنِهِنَّ مُشْتَبِهَاتٍ يَسْتَلْزِمُ عِلْمَهُنَّ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، أَمَّا النَّادِرُ مِنْ النَّاسِ وَهُمْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فَلَا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ مِنْ أَيِّ الْقِسْمَيْنِ هُوَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ اسْتِصْحَابٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا تَرَدَّدَ شَيْءٌ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ اجْتَهَدَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُ وَأَخَذَ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ فَيَصِيرُ مِثْلَهُ.
وَقَدْ يَكُونُ دَلِيلُهُ غَيْرَ حَالٍّ عَنْ الِاحْتِمَالِ فَيَكُونُ الْوَرَعُ تَرْكَهُ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ﴾ إلَخْ؛ وَمَا لَمْ يَظْهَرْ لِلْمُجْتَهِدِ فِيهِ شَيْءٌ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى اشْتِبَاهِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ
، وَمِثْلُهُ مَا لَمْ يُنَازِعْهُ شَيْءٌ، مِمَّا مَرَّ لَكِنْ