شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٢٠٠

........................

----------------

إمْكَانٌ لَا يَمْنَعُ تَرْجِيحَ الْأَوَّلِ، كَمَا إذَا سُئِلْت عَنْ رَجُلٍ تَعْرِفُهُ بِالصَّلَاحِ وَالتَّقْوَى بِعَيْنِهِ وَمَاتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ هَلْ يُعَاقَبُ؟ فَإِنَّ نَفْسَكَ تَمِيلُ إلَى أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ أَكْثَرَ مِنْ مَيْلِهَا إلَى الْعِقَابِ، وَذَلِكَ لِظُهُورِ عَلَامَةِ الصَّلَاحِ، وَمَعَ هَذَا فَأَنْتَ تُجَوِّزُ اخْتِفَاءَ أَمْرٍ مُوجِبٍ لِلْعِقَابِ فِي بَاطِنِهِ فَهَذَا التَّجْوِيزُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا لِذَلِكَ الْمَيْلِ،

وَلَكِنَّهُ غَيْرُ دَافِعٍ رُجْحَانَهُ، فَهَذِهِ الْحَالَةُ تُسَمَّى ظَنَّا ث الثَّالِثُ: أَنْ تَمِيلَ النَّفْسُ إلَى التَّصْدِيقِ بِشَيْءٍ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَيْهَا وَلَا يَخْطُرُ بِالْبَالِ غَيْرُهُ لَوْ خَطَرَ بِالْبَالِ أَبَتْ النَّفْسُ عَنْ قَبُولِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مَعَ مَعْرِفَةٍ مُحَقَّقَةٍ، إذْ لَوْ أَحْسَنَ صَاحِبُ هَذَا الْمَقَامِ التَّأَمُّلَ وَالْإِصْغَاءَ إلَى التَّشْكِيكِ وَالتَّجْوِيزِ اتَّسَعَتْ نَفْسُهُ لِلتَّجْوِيزِ، وَهَذَا يُسَمَّى اعْتِقَادًا مُقَارِنًا لِلْيَقِينِ، وَهُوَ اعْتِقَادُ الْعَوَامّ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، إذْ رَسَخَ فِي نُفُوسِهِمْ بِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ حَتَّى إنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَثِقُ بِصِحَّةِ مَذْهَبِهَا وَإِصَابَةِ إمَامِهَا وَمَتْبُوعِهَا، وَلَوْ ذُكِرَ لِأَحَدِهِمْ إمْكَانُ خَطَأِ إمَامِهِمْ لَنَفَرَ عَنْ قَبُولِهِ الرَّابِعُ: الْمَعْرِفَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الْحَاصِلَةُ بِطَرِيقِ الْبُرْهَانِ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّشْكِيكُ فِيهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ وُجُودُ الشَّكِّ فَإِمْكَانُهُ يُسَمَّى يَقِينًا عِنْدَ هَؤُلَاءِ، وَمِثَالُهُ أَنَّهُ إذَا قِيلَ لِلْعَاقِلِ: هَلْ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ هُوَ قَدِيمٌ؟ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّصْدِيقُ بِهِ بِالْبَدِيهَةِ لِأَنَّ الْقَدِيمَ غَيْرُ مَحْسُوسٍ، لَا كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَإِنَّهُ يُصَدِّقُ بِوُجُودِهِمَا بِالْحِسِّ.

وَلَيْسَ الْعِلْمُ بِوُجُودِ شَيْءٍ قَدِيمٍ أَزَلِيٍّ ضَرُورِيًّا مِثْلُ الْعِلْمِ بِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ الْوَاحِدِ، بَلْ مِثْلُ الْعِلْمِ بِأَنَّ حُدُوثَ حَادِثٍ بِلَا سَبَبٍ مُحَالٍ، فَإِنَّ هَذَا أَيْضًا ضَرُورِيٌّ، فَمِنْ غَرِيزَةِ الْعَقْلِ أَنْ تَتَوَقَّفَ عَنْ التَّصْدِيقِ بِوُجُودِ الْقَدِيمِ عَلَى طَرِيقِ الِارْتِجَالِ الْبَدِيهِيِّ

١٠٬٤٧٨ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.