الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ١٩٩........................
----------------
وَلَكِنْ مَنْ كَانَ غَرِيزَتُهُ الْعَقْلَ وَسَجِيَّتُهُ الْيَقِينَ لَمْ تَضُرَّهُ الذُّنُوبُ لِأَنَّهُ كُلَّمَا أَذْنَبَ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَنَدِمَ فَيُكَفِّرُ ذُنُوبَهُ وَيَبْقَى لَهُ فَضْلٌ
يَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿: إنَّ مِنْ أَقَلِّ مَا أُوتِيتُمْ الْيَقِينَ وَعَزِيمَةَ الصَّبْرِ، وَمَنْ أُعْطِيَ حَظُّهُ مِنْهُمَا لَمْ يُبَالِ مَا فَاتَهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ﴾، وَفِي وَصِيَّةِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لَا يُسْتَطَاعُ الْعَمَلُ إلَّا بِالْيَقِينِ وَلَا يَعْمَلُ الْمَرْءُ إلَّا بِقَدْرِ يَقِينِهِ، وَلَا يُقَصِّرُ عَامِلٌ حَتَّى يَنْقُصَ يَقِينُهُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: إنَّ لِلتَّوْحِيدِ نُورًا وَلِلشِّرْكِ نَارًا، وَإِنَّ نُورَ التَّوْحِيدِ أَحَرَقُ لِسَيِّئَاتِ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ نَارِ الشِّرْكِ لِحَسَنَاتِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَرَادَ بِهِ الْيَقِينَ، وَقَدْ أَشَارَ الْقُرْآنُ إلَى ذِكْرِ الْيَقِينِ دَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ هُوَ الرَّابِطَةُ لِلْخَيْرَاتِ وَالسَّعَادَةِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: الْيَقِينُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلِقُهُ فَرِيقَانِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أَمَّا النُّظَّارُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ فَيَعْنُونَ بِهِ عَدَمَ الشَّكِّ، إذْ مَيْلُ النَّفْسِ إلَى التَّصْدِيقِ بِالشَّيْءِ لَهُ أَرْبَعُ مَقَامَاتٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَعْتَدِلَ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ وَيُعَبِّرَ عَنْهُ بِالشَّكِّ، كَمَا إذَا سُئِلْت عَنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَاقِبُهُ وَهُوَ مَجْهُولُ الْحَالِ عِنْدَك؟ فَإِنَّ نَفْسَك لَا تَمِيلُ إلَى الْحُكْمِ فِيهِ بِإِثْبَاتٍ وَلَا نَفْيٍ، بَلْ يَسْتَوِي عِنْدَك إمْكَانُ الْأَمْرَيْنِ فَيُسَمَّى هَذَا شَكًّا.
الثَّانِي: أَنْ تَمِيلَ نَفْسُك إلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مَعَ الشُّعُورِ بِإِمْكَانِ نَقِيضِهِ، وَلَكِنَّهُ