شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٢٠٢

........................

----------------

وَغَلَبَ ذَلِكَ عَلَى الْقَلْبِ وَاسْتَوْلَى حَتَّى صَارَ هُوَ الْمُتَحَكِّمَ وَالْمُتَصَرِّفَ فِي النَّفْسِ بِالتَّحْرِيضِ وَالْمَنْعِ سُمِّيَ ذَلِكَ يَقِينًا، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ النَّاسَ مُشْتَرَكُونَ فِي الْقَطْعِ بِالْمَوْتِ وَالِانْفِكَاكِ عَنْ الشَّكِّ فِيهِ وَلَكِنَّ فِيهِمْ مَنْ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ وَلَا إلَى الِاسْتِعْدَادِ لَهُ وَكَأَنَّهُ غَيْرُ

مَوْثُوقٍ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَوْلَى ذَلِكَ عَلَى قَلْبِهِ حَتَّى اسْتَغْرَقَ هَمَّهُ بِالِاسْتِعْدَادِ لَهُ وَلَنْ يُغَادِرَ فِيهِ مُتَّسَعًا لِغَيْرِهِ فَيَصْبِرُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ بِقُوَّةِ الْيَقِينِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ مَا رَأَيْت يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ أَشْبَهَ بِشَكٍّ لَا يَقِينَ فِيهِ مِنْ الْمَوْتِ، وَعَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ يُوصَفُ الْيَقِينُ بِالضَّعْفِ وَالْقُوَّةِ، وَنَحْنُ إنَّمَا أَرَدْنَا بِقَوْلِنَا: إنَّ مِنْ شَأْنِ عُلَمَاءِ الْآخِرَةِ صَرْفَ الْعِنَايَةِ إلَى تَقْوِيَةِ الْيَقِينِ بِالْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا، وَهُوَ نَفْيُ الشَّكِّ، ثُمَّ تَسْلِيطُ الْيَقِينِ عَلَى النَّفْسِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْغَالِبَ الْمُتَحَكِّمَ عَلَيْهَا وَهُوَ الْمُتَصَرِّفَ فِيهَا.

وَإِذَا فَهِمْت هَذَا عَلِمْت أَنَّ الْيَقِينَ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْقُوَّةُ وَالضَّعْفُ، وَالْكَثْرَةُ وَالْقِلَّةُ، وَالْجَلَاءُ وَالْخَفَاءُ، وَأَمَّا بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ فَعَلَى الِاصْطِلَاحِ الثَّانِي، وَذَلِكَ فِي الْغَلَبَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْقَلْبِ، وَدَرَجَاتُ مَعَانِي الْيَقِينِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ لَا تَتَنَاهَى وَتَفَاوُتُ الْخَلْقِ فِي اسْتِعْدَادِهِمْ لِلْمَوْتِ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الْيَقِينِ بِهَذِهِ الْمَعَانِي، وَأَمَّا التَّفَاوُتُ بِالْخَفَاءِ وَالْجَلَاءِ فِي الِاصْطِلَاحِ الْأَوَّلِ فَلَا يُنْكَرُ أَيْضًا، أَمَّا فِيمَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّجْوِيزُ فَلَا يُنْكَرُ أَعْنِي الِاصْطِلَاحَ الثَّانِيَ، وَفِيمَا انْتَفَى الشَّكُّ عَنْهُ أَيْضًا لَا سَبِيلَ إلَى إنْكَارِهِ، فَإِنَّك تَجِدُ فَرْقًا بَيْنَ تَصْدِيقِك بِمَكَّةَ وَفَدَكَ وَتَصْدِيقِك بِمُوسَى وَيُوشَعَ إذْ لَا تَشُكُّ لِلتَّوَاتُرِ وَلَكِنَّ أَحَدَهُمَا أَجْلَى وَوَاضِحٌ لِقُوَّةِ الْإِخْبَارِ بِهِ، وَكَذَا فِي النَّظَرِيَّاتِ بِالْأَدِلَّةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ وُضُوحُ مَا لَاحَ بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ كَوُضُوحِ مَا لَاحَ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنَّمَا الْكَثْرَةُ وَالْقِلَّةُ بِكَثْرَةِ مُتَعَلِّقَاتِ الْيَقِينِ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ

١٠٬٤٨٠ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.