شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٢٠٣

........................

----------------

أَكْثَرُ عِلْمًا، أَيْ مَعْلُومَاتُهُ أَكْثَرُ، فَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ الْعَالِمُ أَقْوَى

يَقِينًا فِي جَمِيعِ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِهِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ مُتَعَلِّقَاتِ الْيَقِينِ هِيَ مَا جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فَإِنَّ الْيَقِينَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَمُتَعَلِّقُهُ الْمَعْلُومَاتُ الَّتِي وَرَدَتْ بِهَا الشَّرَائِعُ فَمِنْ ذَلِكَ التَّوْحِيدُ، وَهُوَ أَنْ يَرَى الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى الْوَسَائِطِ وَيَرَاهَا مُسَخَّرَةً لَا حُكْمَ لَهَا فَالْمُصَدِّقُ بِهَذَا مُوقِنٌ، وَمِنْ ذَلِكَ الثِّقَةُ بِضَمَانِ اللَّهِ الرِّزْقَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ فَإِنْ صَحَّتْ ثِقَتُهُ لَمْ يَشْتَدَّ خَوْفُهُ وَلَا حِرْصُهُ وَشَرَهُهُ وَتَأَسُّفُهُ، وَأَثْمَرَتْ هَذِهِ الثِّقَةُ جُمْلَةً مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ الْآيَةَ، وَهُوَ الْيَقِينُ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُ حَرَصَ عَلَى الطَّاعَاتِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا كَمَا يَتَحَفَّظُ الْجَائِعُ عَلَى قَلِيلِ الْخُبْزِ وَكَثِيرِهِ وَتَجَنَّبَ الْمَعَاصِيَ قَلِيلَهَا وَكَثِيرَهَا كَمَا يَتَجَنَّبُ السُّمَّ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ.

وَمِنْ ذَلِكَ الْيَقِينُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَيْك فِي كُلِّ حَالٍ سِرِّك وَظَاهِرِك، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْك تَأَدَّبْت فِي خَلْوَتِك وَفِي قَلْبِك كَالْمُشَاهَدِ لِمُلْكٍ عَظِيمٍ أَكْثَرَ مِمَّا تَأَدَّبْت بِهِ فِي مَشْهَدِ النَّاسِ وَفِي ظَاهِرِك، وَوَرِثْت الْحَيَاءَ وَالْخُضُوعَ، وَالِانْكِسَارَ وَالْخَوْفَ فَهَذِهِ أَخْلَاقٌ تُوَرِّثُ أَنْوَاعًا مِنْ الطَّاعَاتِ رَفِيعَةً فَالْيَقِينُ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ كَالشَّجَرَةِ، وَالْأَخْلَاقُ كَالْأَغْصَانِ، وَالْأَعْمَالُ الصَّادِرَةُ مِنْ الْأَخْلَاقِ كَالثِّمَارِ وَالْأَنْوَارِ، فَإِذَا رَسَخَ فِيهِ الْحُزْنُ وَالِانْكِسَارُ وَالْخَشْيَةُ كَانَ نَظَرُهُ مُذَكِّرًا بِاَللَّهِ وَصُورَتُهُ دَلِيلًا عَلَى عِلْمِهِ.

وَقَدْ قِيلَ: مَا أَلْبَسَ اللَّهُ عَبْدًا لُبْسَةً أَحْسَنَ مِنْ

خُشُوعٍ فِي سَكِينَةٍ، فَهِيَ لُبْسَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَسِيمَا الصَّالِحِينَ

١٠٬٤٨١ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.