الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٢٣٦........................
----------------
كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ النِّيَّةَ لِلْعَمَلِ كَمَا يَتَعَلَّمُونَ الْعَمَلَ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: اُطْلُبْ النِّيَّةَ لِلْعَمَلِ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَمَا دُمْت تَنْوِي الْخَيْرَ فَأَنْتَ بِخَيْرٍ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ نِيَّاتِكُمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إنَّمَا خُلِّدَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ بِالنِّيَّاتِ، وَعَنْ بِلَالِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ الْعَبْدَ لَيَقُولُ قَوْلَ مُؤْمِنٍ فَلَا يَدَعُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقَوْلَهُ، حَتَّى يَنْظُرَ فِي عَمَلِهِ، وَإِذَا عَمِلَ لَمْ يَدَعْهُ اللَّهُ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وَرَعِهِ، فَإِنْ تَوَرَّعَ لَمْ يَدَعْهُ اللَّهُ حَتَّى يَنْظُرَ مَاذَا نَوَى، فَإِنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَصْلُحَ مَا دُونَ ذَلِكَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مُتَعَلَّقَ قَوْلِهِ: بِالنِّيَّاتِ، هُوَ الصِّحَّةُ لَا الْكَمَالُ، فَلَا يَصِحُّ عَمَلٌ بِلَا نِيَّةٍ إذْ هِيَ أَكْثَرُ لُزُومًا لِلْحَقِيقَةِ، فَالْحَمْلُ عَلَيْهَا أَوْلَى لِأَنَّ مَا كَانَ أَلْزَمَ لِلشَّيْءِ كَانَ أَقْرَبَ خُطُورًا بِالْبَالِ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ لَا الْكَمَالِ، وَيُقَدَّرُ إنَّمَا الْأَعْمَالُ مُجْزِئَةٌ أَوْ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّيَّاتِ، أَوْ إنَّمَا صَحَّتْ الْأَعْمَالُ أَوْ اعْتِبَارُهَا بِالنِّيَّاتِ فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَمَنْ زَعَمَ صِحَّتَهَا بِلَا نِيَّةٍ قَدَّرَ: إنَّمَا الْأَعْمَالُ كَامِلَةٌ بِالنِّيَّاتِ، أَوْ إنَّمَا كَمَالُهَا بِالنِّيَّاتِ، وَ " الْبَاءُ " لِلسَّبَبِيَّةِ، وَقِيلَ: لِلْمُصَاحَبَةِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ هِيَ جُزْءٌ مِنْ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ: لِلِاسْتِعَانَةِ، وَمَعْنَى السَّبَبِيَّةِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ ثَوَابُهَا بِسَبَبِ النِّيَّاتِ وَتَحْتَمِلُ الْإِلْصَاقَ لِأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَلْتَصِقُ بِنِيَّتِهِ، وَيَحْتَمِلُ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ لِأَنَّ النِّيَّةَ مُقَدَّمَةٌ لِلْعَمَلِ فَكَأَنَّهَا سَبَبٌ فِي إيجَادِهِ، وَلَا يَصِحُّ عَمَلٌ كَالْوُضُوءِ بِدُونِهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَا كَانَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى لَا يَفْسُدُ بِدُونِهَا لَكِنْ لَا ثَوَابَ عَلَيْهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ بِطَبْعِهِ وَكَالتَّيَمُّمِ خِلَافًا لِلْأَوْزَاعِيِّ وَإِذَا قَامَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ بِأَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي كَذَا صَحَّ بِدُونِهَا لَكِنْ لَا ثَوَابَ بِلَا نِيَّةٍ كَغَسْلِ النَّجَسِ وَيَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الْحَصْرِ خَبَرُ الْبَيْهَقِيّ: ﴿لَا عَمَلَ لِمَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ،﴾ وَخَبَرُ