شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٢٦٨

........................

----------------

وَصَوَّرَ ذَلِكَ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ.

وَلَوْ كَشَفَ عَنْهُ لَرُئِيَ فِيهِ تَخْطِيطٌ بَعْدَ آخَرَ حَتَّى يَكْمُلَ، فَهَلْ رَأَيْت مُصَوِّرًا لَا يَمَسُّ آلَتَهُ وَلَا مَصْنُوعَهُ وَلَمَّا ضَاقَ الرَّحِمُ عَنْ الصَّبِيِّ طَلَبَ الْمَنْفَذَ كَأَنَّهُ عَاقِلٌ بَصِيرٌ، فَتَحَرَّكَ وَخَرَجَ

فَاحْتَاجَ لِلْغِذَاءِ فَاهْتَدَى إلَى الْتِقَامِ الثَّدْيِ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَانْظُرْ كَيْفَ دَبَّرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ اللَّبَنَ مِنْ بَيْنِ الْفَرْثِ وَالدَّمِ خَالِصًا، وَجَمَعَهُ فِي الثَّدْيَيْنِ يَمُصُّهُ مِنْ جُمْلَةِ الثَّدْيِ، وَجَعَلَهَا بِحَيْثُ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا شَفَتَاهُ، وَضَيَّقَ مَنْفَذَهَا جِدًّا حَتَّى لَا يَخْرُجَ إلَّا بِالْمَصِّ لِأَنَّهُ لَا يُطِيقُ إلَّا الْقَلِيلَ، وَإِذْ كَبُرَ وَاسْتَغْنَى عَنْ اللَّبَنِ وَاحْتَاجَ لِلطَّعَامِ الْغَلِيظِ أَنْبَتَ لَهُ الْأَسْنَانَ ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى السَّمَاوَاتِ وَعُلُوِّهَا، وَلَا يَأْتِيكَ أَحَدٌ مِنْ جِهَةٍ يَقُولُ: إنَّا نَصِلُ السَّمَاءَ عَلَى جَبَلٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ أَوْ بِأَيْدِينَا، وَوَسَّعَهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ وَانْظُرْ غِلَظَهَا وَوُسْعَهَا وَلَا يَأْتِيَك أَحَدٌ يَقُولُ: إنَّا نَثْقُبُ الْأَرْضَ، وَانْظُرْ نَبَاتَهَا الْمُخْتَلِفَ لَوْنًا وَطَعْمًا، وَمَاءَهَا الْخَارِجُ مِنْ الْحَجَرِ الْيَابِسِ، وَالتُّرَابِ الْكَدِرِ، وَجِبَالِهَا الرَّوَاسِيَ.

وَكَيْفَ أَوْدَعَ فِي نَبَاتِهَا حِكَمًا لَا يُحْصِيهَا سِوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَهَذَا يُغَذِّي، وَهَذَا يَقْتُلُ، وَهَذَا يُبَرِّدُ، وَهَذَا يُسَخِّنُ، وَهَذَا يَجْمَعُ الصَّفْرَاءَ مِنْ أَعْمَاقِ الْعُرُوقِ، وَهَذَا يَسْتَحِيلُ إلَى الصَّفْرَاءِ، وَهَذَا يَقْطَعُ الْبَلْغَمَ وَالسَّوْدَاءَ، وَهَذَا يُفَرِّحُ، وَهَذَا يُنَوِّمُ، وَهَذَا يُصَفِّي الدَّمَ، وَهَذَا يَسْتَحِيلُ دَمًا، وَكَيْفَ أَوْدَعَ جِبَالَهَا الْجَوَاهِرَ

١٠٬٥٤٦ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.