شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٢٨٤

........................

----------------

يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَفْعَلُ هَذَا بِنَفْسِك وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا،} وَقَالَ أَبُو هَارُونَ: دَخَلْت عَلَى أَبِي حَازِمٍ فَقُلْت لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ مَا شُكْرُ الْعَيْنَيْنِ؟ قَالَ: إذَا رَأَيْت بِهِمَا خَيْرًا ذَكَرْته، وَإِذَا رَأَيْت بِهِمَا شَرًّا سَتَرْته، قُلْت: فَمَا شُكْرُ الْأُذُنَيْنِ؟ قَالَ: إذَا سَمِعْت بِهِمَا خَيْرًا حَفِظْته، وَإِذَا سَمِعْت بِهِمَا شَرًّا نَسِيته.

وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمُنْعِمِ مِنْ الْخَلْقِ فِي الشُّكْرِ حَظًّا إمَّا بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ لِيَزْدَادَ مَحِلُّهُ فِي الْقُلُوبِ وَشُهْرَتُهُ وَجَاهُهُ بِظُهُورِ كَرَمِهِ عِنْدَك، وَإِمَّا بِالْخِدْمَةِ الَّتِي هِيَ إعَانَةٌ لَهُ عَلَى بَعْضِ أَغْرَاضِهِ، أَوْ بِالْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي صُورَةِ الْخَدَمِ، وَذَلِكَ تَكْثِيرٌ لِسَوَادِهِ وَسَبَبٌ لِزِيَادَةِ جَاهِهِ، فَلَا يَكُونُونَ شَاكِرِينَ لَهُ إلَّا بِذَلِكَ، أَوْ نَحْوِهِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ فِي حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِأَنَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى شَيْءٍ، وَلَئِنْ كَانَ كُلُّ مَا نَفْعَلُ نِعْمَةً أُخْرَى مِنْ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا عَلَيْنَا إذَا قَدَّرَنَا وَوَافَقَنَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ دَاوُد وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّهُمَا قَالَا: " يَا رَبِّ كَيْفَ أَشْكُرُك، وَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْكُرَك إلَّا بِنِعْمَةٍ ثَانِيَةٍ مِنْ نِعَمِك وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: وَشُكْرِي لَك نِعْمَةٌ أُخْرَى لَك تُوجِبُ عَلَيَّ الشُّكْرَ لَك؟ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِمَا: " إذَا عَرَفْت هَذَا فَقَدْ شَكَرْتنِي " وَزَمَانُ دَاوُد مُتَأَخِّرٌ عَنْ زَمَانِ مُوسَى، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: " إذَا عَرَفْت أَنَّ النِّعَمَ مِنِّي رَضِيت مِنْك بِذَلِكَ شُكْرًا "، فَاَللَّهُ الشَّاكِرُ وَاَللَّهُ الْمَشْكُورُ إذْ يُعْطِي وَيُثِيبُ الشَّاكِرَ عَلَى الشُّكْرِ فَإِثَابَتُهُ شُكْرٌ، وَهُوَ الْمُحِبُّ أَيْضًا وَهُوَ الْمَحْبُوبُ رُوِيَ أَنَّ حَبِيبَ بْنَ حَبِيبٍ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: {إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ

١٠٬٥٦٢ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.