شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٢٨٥

........................

----------------

إنَّهُ أَوَّابٌ} فَقَالَ: وَاعَجَبَاهُ أَعْطَى وَأَثْنَى، إشَارَةً إلَى أَنَّهُ إذَا أَثْنَى عَلَى إعْطَائِهِ فَعَلَى نَفْسِهِ أَثْنَى فَهُوَ الْمُثْنِي، وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَتَى تَنْفَكُّ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ وَأَنْتَ مُرْتَهَنٌ بِهَا، كُلَّمَا شَكَرْت نِعْمَةً تَجِدُ ذَلِكَ الشُّكْرَ أَعْظَمَ مِنْهَا عَلَيْك، وَأَنْتَ لَا تَنْفَكُّ بِالشُّكْرِ مِنْ نِعْمَةٍ إلَّا إلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا؟ وَهُوَ الْمُثْنَى عَلَيْهِ.

وَقَرَأَ أَبُو سَعِيدٍ الْمِيهِنِي: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ فَقَالَ: لَعَمْرِي

يُحِبُّهُمْ وَدَعْهُ يُحِبُّهُمْ، وَدَعْهُمْ يُحِبُّونَهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحِبُّ نَفْسَهُ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ الْمُحِبُّ وَأَنَّهُ الْمَحْبُوبُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ إذَا أَحَبَّ تَصْنِيفَهُ فَقَدْ أَحَبَّ نَفْسَهُ، وَالصَّانِعُ إذَا أَحَبَّ صَنْعَتَهُ فَقَدْ أَحَبَّ نَفْسَهُ، وَهَكَذَا وَكُلُّ مَا فِي الْوُجُودِ فَهُوَ صَنْعَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَتُعَبِّرُ الصُّوفِيَّةُ بِالدُّخُولِ فِي هَذَا التَّوْحِيدِ بِفِنَاءِ النَّفْسِ أَيْ فَنِيَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَرَ إلَّا اللَّهَ، {وَلَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُجُودِهِ: أَعُوذُ بِعَفْوِك مِنْ عِقَابِك، وَأَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك وَأَعُوذُ بِك مِنْك لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك} فَأَعُوذُ بِعَفْوِك مِنْ عِقَابِك كَلَامٌ عَنْ مُشَاهَدَةِ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ إلَّا اللَّهَ وَأَفْعَالَهُ، وَاسْتَعَاذَ بِفِعْلِهِ مِنْ فِعْلِهِ ثُمَّ اقْتَرَبَ فَفَنِيَ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْأَفْعَالِ إلَى صِفَاتِ الذَّاتِ وَالذَّاتِ فَقَالَ: أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَقَالَ: أَعُوذُ بِك مِنْك، فَفَرَّ مِنْهُ إلَيْهِ.

وَقَالَ: " لَا أُحْصِي " خَبَرٌ عَنْ فِنَاءِ نَفْسِهِ، وَقَوْلُهُ: أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك بَيَانٌ أَنَّهُ الْمُثْنِي وَالْمُثْنَى عَلَيْهِ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرْقَى مِنْ رُتْبَةٍ إلَى أُخْرَى إلَّا وَيَرَى الْأُولَى بُعْدًا بِالْإِضَافَةِ إلَى الثَّانِيَةِ فَكَانَ يَسْتَغْفِرُ

١٠٬٥٦٣ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.