الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٣٣٢........................
----------------
وَكَتَبَ أَبُو نَجِيحٍ يُعَزِّي بَعْضَ الْخُلَفَاءِ: إنَّ أَحَقَّ مَنْ عَرَفَ حَقَّ اللَّهِ فِيمَا أَخَذَهُ مِنْهُ مَنْ عَظُمَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُ فِيمَا أَبْقَاهُ لَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَاضِيَ قَبْلَك هُوَ الْبَاقِي لَك، وَالْبَاقِي بَعْدَك هُوَ الْمَأْجُورُ فِيك، وَاعْلَمْ أَنْ أَجْرَ الصَّابِرِينَ فِيمَا يُصَابُونَ بِهِ أَعْظَمُ مِنْ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يُعَافُونَ مِنْهُ.
السَّادِسُ: يُسْتَعَانُ عَلَى الصَّبْرِ بِتَضْعِيفِ بَاعِثِ الشَّهْوَةِ بِقَطْعِ مَادَّتِهَا، كَالْأَطْعِمَةِ الطِّيبَةِ وَاللَّحْمِ وَكَثْرَةِ الْأَكْلِ، أَوْ بِقَطْعِ أَسْبَابِهِ الْمُهَيِّجَةِ لَهُ فِي الْحَالِ، كَالنَّظَرِ وَالِاسْتِمَاعِ إلَى الْمُشْتَهَاةِ وَالتَّفَكُّرِ فَيَعْتَزِلُ عَنْ ذَلِكَ أَوْ بِتَسْلِيَةِ النَّفْسِ عَنْ الْحَرَامِ بِمِثْلِهِ مِنْ الْحَلَالِ كَوَطْءِ زَوْجَتِهِ الْمُغْنِي عَنْ النَّظَرِ إلَى الْحَرَامِ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَيَكُونُ تَسَبُّبًا لِقَطْعِ شَهْوَةِ النَّفْسِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ فِيمَا قِيلَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ الصَّوْمُ الْمَأْمُورُ بِهِ الْمُنْتَفَعُ بِهِ، وَأَمَّا الصَّوْمُ مَعَ أَكْلِ النَّهَارِ أَوْ أَكْثَرَ وَالْقَصْدِ إلَى الْمَلَاذِ، فَذَلِكَ كَلَا صَوْمٍ، وَبِالْأَطْمَاعِ فِي فَوَائِدَ لِاسْتِيفَاءِ الْمُجَاهَدَةِ بِمُطَالَعَةِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْلِ الصَّبْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبِالتَّصَدِّي إلَى مُغَالَبَةِ بَاعِثِ الْهَوَى فَإِنَّ مَنْ يَتَفَاعَلُ تَحْضُرُ لَهُ قُوَّةٌ لَا تَحْضُرُ لِمَنْ يَفْعَلُ وَيَقْطَعُ عَلَائِقَ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا شَاغِلَةٌ لِلْبَدَنِ وَالْقَلْبِ، وَإِنْ تَوَلَّاهَا بِغَيْرِ شَغْلِ قَلْبِهِ، وَالدُّنْيَا جَاذِبَةٌ وَالْمَجْذُوبُ إلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ لَا يَنْجَذِبُ إلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، فَمَتَى صَفَا وَقْتُهُ وَتَفَكَّرَ أَدْرَكَ فِي سَاعَتِهِ مَا لَا يُدْرِكُهُ عُمْرُهُ مَشْغُولًا، فَيَنْجَذِبُ إلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَيَأْنَسُ بِاَللَّهِ وَيَسْتَوْحِشُ بِغَيْرِهِ كَمَا قِيلَ: سَأَلَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ الشِّبْلِيَّ: أَيُّ الصَّبْرِ أَشَدُّ؟ قَالَ: الصَّبْرُ فِي اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: الصَّبْرُ لِلَّهِ، قَالَ: لَا، قَالَ: الصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ، قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِيشْ؟ قَالَ: الصَّبْرُ عَنْ اللَّهِ، فَصَرَخَ الشِّبْلِيُّ صَرْخَةً كَادَتْ رُوحُهُ تَتْلَفُ