الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٣٤٨........................
----------------
مُغَيِّبَتِي مِنْ اللَّهِ سَاعَةً؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى الْبِحَارِ أَنْ تُجِيبَهُ.
فَقَالَتْ: يَا بورخ بْنُ مَارّنَا أَنْتَ نَبِيُّ بَنِي إسْرَائِيلَ تَقُولُ هَذَا، مَا فِينَا مَوْجَةٌ إلَّا وَعَلَيْهَا مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا قَطْرَةٌ إلَّا بِعَيْنِ اللَّهِ فَأَيْنَ نُغَيِّبُك، فَأَتَى جِبَالًا فَنَادَى: أَيَّتُهَا الْجِبَالُ الْكَثِيرَةُ الْأَوْدِيَةَ وَالشِّعَابَ إنِّي أَذْنَبْت ذَنْبًا فَهَلْ أَنْتِ مُغَيِّبَتِي عَنْ اللَّهِ سَاعَةً؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى الْجِبَالِ أَنْ تُجِيبَهُ، فَقَالَتْ: يَا بورخ بْنُ مَارّنَا أَنْتَ نَبِيُّ بَنِي إسْرَائِيلَ تَقُولُ هَذَا، مَا فِينَا شَجَرَةٌ إلَّا وَعَلَيْهَا مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلَّا يَعْلَمُهَا، فَصَرَخَ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ اقْبِضْ رُوحِي فِي الْأَرْوَاحِ وَجَسَدِي فِي الْأَجْسَادِ وَاجْعَلْنِي هَمَلًا لَا أَحْضُرُ الْحِسَابَ "، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: " بَلْ أَتَوَفَّاك يَا حَبِيبِي وَأُسْكِنُك جَنَّتِي " وَيُرْوَى عَنْ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ بُكَاءً شَدِيدًا فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلَمَّا ضَاقَ ذَرْعُهُ وَاشْتَدَّ غَمُّهُ قَالَ: " يَا رَبِّ أَمَا تَرْحَمُ بُكَائِي "؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: " يَا دَاوُد نَسِيت ذَنْبَك وَذَكَرْت بُكَاءَك ".
فَقَالَ: إلَهِي وَسَيِّدِي كَيْفَ أَنْسَى ذَنْبِي وَكُنْت إذَا تَلَوْت الزَّبُورَ كَفَّ الْمَاءُ الْجَارِي عَنْ جَرْيِهِ، وَالرِّيحُ عَنْ هُبُوبِهِ، وَأَظَلَّتْنِي الطَّيْرُ عَلَى رَأْسِي، وَأَنِسَتْ الْوُحُوشُ إلَى مِحْرَابِي، إلَهِي وَسَيِّدِي مَا هَذِهِ الْوَحْشَةُ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَك، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: " يَا دَاوُد ذَلِكَ أُنْسُ الطَّاعَةِ وَهَذِهِ
وَحْشَةُ الْمَعْصِيَةِ، يَا دَاوُد آدَم خُلِقَ مِنْ خَلْقِي خَلَقْته بِيَدَيَّ وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي وَأَسْجَدْت لَهُ مَلَائِكَتِي وَأَلْبَسْته ثَوْبَ كَرَامَتِي وَتَوَّجْته بِتَاجِ وَقَارِي، فَشَكَا إلَيَّ الْوَحْدَةَ، فَزَوَّجْته حَوَّاءَ أَمَتِي، وَأَسْكَنْته جَنَّتِي فَطَرَدْته مِنْ جِوَارِي عُرْيَانًا ذَلِيلًا، يَا دَاوُد اسْمَعْ مِنِّي، وَالْحَقُّ أَقُولُ، أَطَعْتنَا فَأَحْبَبْنَاك، وَسَأَلْتنَا فَأَعْطَيْنَاك، وَعَصَيْتنَا فَأَمْهَلْنَاك، وَإِنْ عُدْت إلَيْنَا عَمَّا كَانَ مِنْك قَبِلْنَاك ".