شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٤٧

..................................................................................................................

-------------

فِي مَقَامِ إبْرَاهِيمَ كِتَابٌ بِالْعِبْرَانِيَّةِ: " أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنْ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ ".

وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ مَكَّةَ إذْ خُصَّتْ بِذِكْرِ إضَافَةِ اللَّهِ إلَيْهَا إذْ هِيَ أَعْظَمُ الْبِلَادِ حُرْمَةً، وَلِأَنَّ الْأَرْضَ بُسِطَتْ مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ فَهِيَ أُمُّ الْقُرَى وَالْبِلَادِ، وَفِيهِ تَهْدِيدٌ لِسَاكِنِيهَا مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى التَّقَاطُعِ، وَتَرْغِيبٌ فِي التَّوَاصُلِ لِيُوَاصِلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعِينُوهُ عَلَى التَّبْلِيغِ عَنْ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَفِيهِ إضَافَةُ ذُو بِمَعْنَى صَاحِبٍ إلَى الْعَلَمِ وَهُوَ بَكَّةُ بِالْبَاءِ بِمَعْنَى مَكَّةَ بِالْمِيمِ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ لِعِزَّتِهِ، وَالْمُرَادُ بِوَصْلِ اللَّهِ إعْطَاؤُهُ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعًا لِمَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ، وَقَدْ يُدَّخَرُ لِلْآخِرَةِ فَقَطْ، وَهُوَ قَلِيلٌ، وَالشَّقِيُّ يَصِلُهُ بِالدُّنْيَا فَقَطْ عَلَى صِلَةِ رَحِمِهِ، وَالْمُرَادُ بِقَطْعِهِ قَطْعُ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ يُقْطَعُ خَيْرُ الْآخِرَةِ فَقَطْ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: مِنْ اسْمِي لَفْظُ الرَّحْمَنِ وَخَصَّصْتُهُ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الرَّحْمَةِ مِنْ لَفْظِ الرَّحِيمِ فَيُبَالِغُ فِي رَحْمَةِ مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ، وَيَدُلُّ لِهَذَا حَدِيثٌ: " أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ ".

وَأَمَّا أَحَادِيثُ: " شَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنْ أَسْمَائِي " بِالْجَمْعِ فَالْمُرَادُ

الْمَجْمُوعُ لَا الْجَمِيعُ وَإِنْ شِئْتَ فَقَدِّرْ مُضَافًا أَيْ مِنْ بَعْضِ أَسْمَائِي، وَكَذَا حَدِيثُ: ﴿أَنَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ شَقَقْتُ لَكِ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِي﴾ الْمُرَادُ الرَّحْمَنُ فَقَطْ لِأَنَّهُ الْمُتَقَدِّمُ وَأَنَّهُ أَبْلَغُ وَأَنَّهُ ذُكِرَ وَحْدُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَأَنَّ الِاشْتِقَاقَ لِلَفْظِ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ مِنْ لَفْظَيْنِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرَّحِيمَ أَيْضًا بَعْدَ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ إشَارَةً لِلْمَعْنَى لِمُنَاسِبَتِهِ الرَّحْمَنَ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ