شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٤٨

...............................................................................................................

----------------

الْمُرَادُ بِالِاشْتِقَاقِ التَّنْسِيبُ الْمَعْنَوِيُّ مَعَ التَّوْفِيقِ بَيْنَ لَفْظَيْنِ، أَوْ أَلْفَاظٍ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِاسْمِ الْجَمْعِ بِأَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ لِلْجِنْسِ، وَيَكُونَ الْجَمْعُ فِي حَدِيثِ أَسْمَائِي عَلَى ظَاهِرِهِ وَاقِعًا عَلَى قَوْلِكَ: الرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ وَالرَّاحِمُ وَالْأَرْحَمُ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ إلَّا الْأَوَّلَانِ أُشِيرَ بِهِمَا لِلْآخَرَيْنِ بِدَلِيلِ صِيغَةِ الْجَمْعِ، وَالْمُرَادُ بِالرَّحِمِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَوْضِعُ الْمُسَمَّى رَحِمًا الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْوَلَدُ أَوْ مَعْنَاهُ الْقَرَابَةُ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ، وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿وُجِدَ حَجَرٌ حِينَ حَفَرَ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَسَاسَ الْبَيْتِ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ: أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنْ أَسْمَائِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ﴾ أَيْ قَطَعْتُهُ. وَرُوِيَ: ﴿أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الرَّحِمَ قَالَ: أَنَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ شَقَقْتُ لَكِ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِي لِيَتَعَاطَفَ بِكِ الْعِبَادُ، فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُكْرِمَنَّ مَنْ أَكْرَمَكِ، وَأَقْطَعَنَّ مَنْ قَطَعَكِ، وَكَذَا أَصْنَعُ بِمَنْ ضَيَّعَ وَصِيَّتِي وَتَهَاوَنَ بِحَقِّي﴾، وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنْ أَسْمَائِي، أَيْ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ، وَلِلَّهِ مَلَائِكَةٌ فِي السَّمَاءِ اسْتَعْبَدَهُمْ بِالدُّعَاءِ يَدْعُونَ: مَنْ وَصَلَ الرَّحِمَ فَصِلْهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا فَاقْطَعْهُ﴾، وَفِي هَذَا تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ فِي صِلَتِهَا تَرْهِيبٌ عَظِيمٌ عَنْ قَطْعِهَا، لِأَنَّ دُعَاءَ الْمَلَائِكَةِ بِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ لَا يُرَدُّ، وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ كَانَ قَاطِعًا لِرَحِمِهِ فَلَا يَصْحَبْنَا، فَخَرَجَ رَجُلٌ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: كُنْتُ مُصَارِمًا لِرَحِمٍ لِي فَوَصَلْتُهُ فَعَتَبْتُهُ، فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَنْمَاةٌ لِلْعَدَدِ،