الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٧١وَلَزِمَ كُلًّا ابْتِدَاءً أَكْلُهُمَا مِنْ زَادِهِ ثُمَّ زَادِ صَاحِبِهِ وَأَكْلُهُ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ وَإِنْ غَبَنَهُ فِيهِ فَتِبَاعَةٌ غَيْرَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ عَلَى مَا فُسِّرَ.
-------------------------
يَبِيعَ لَهُ أَحَدٌ وَلَا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ وَلَا يُكَلِّمَهُ أَحَدٌ وَلَا يَنْفَعَهُ، وَرُبَّمَا زَجَرُوهُ عَنْ حَرْثِهِ وَثِمَارِهِ وَبِنَائِهِ حَتَّى فَسَدْنَ، وَإِذَا طَلَبَ حَقَّهُ مِنْ أَحَدٍ فَأَفْضَلُهُمْ مَنْ لَا يُعِينُهُ وَلَا يُعِينُ عَلَيْهِ، وَأَرْدَأَهُمْ مَنْ يَقُولُ لِمَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ: لَا تُعْطِهِ حَقَّهُ.
(وَلَزِمَ كُلًّا ابْتِدَاءً أَكْلُهُمَا مِنْ زَادِهِ) إيثَارًا لِصَاحِبِهِ بِإِبْقَاءِ زَادِهِ (ثُمَّ زَادِ صَاحِبِهِ)، وَإِنْ أَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ الِابْتِدَاءَ مِنْ زَادِهِ فَطَالِبُ ذَلِكَ أَوَّلًا تَلْزَمُ مُطَاوَعَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الِابْتِدَاءُ بِالزَّادِ مَنْفَعَةً لِكُلٍّ مِنْهُمَا كَالتَّخْفِيفِ عَلَى رَاحِلَتِهِ لَزِمَ كُلًّا مِنْهُمَا أَنْ يَتَبَادَرَ إلَى الْأَكْلِ مِنْ زَادِ صَاحِبِهِ لِيَخِفَّ عَنْ دَابَّةِ صَاحِبِهِ، وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً، فَإِنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلَيْهِ (وَ) لَزِمَ (أَكْلُهُ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ وَإِنْ غَبَنَهُ فِيهِ) فِي الْأَكْلِ بِأَنْ أَكَلَ أَكْثَرَ مِنْهُ (فَتِبَاعَةٌ) إنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ رِضَى صَاحِبِهِ، وَلَمْ يَكُنْ زَادُهُ أَكْثَرَ مِنْ زَادِ صَاحِبِهِ عَلَى قَدْرِ أَكْلِهِ أَكْثَرَ مِنْ صَاحِبِهِ، (غَيْرَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى): ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ إلَى قَوْلِهِ: (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ) أَيْ خِلَافِ مَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِ الْأَكْلِ أَكْثَرَ هُوَ تِبَاعَةٌ، فَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضٌ بِجَوَازِ الْأَكْلِ أَكْثَرَ (عَلَى مَا فُسِّرَ) مِنْ أَنَّهُمْ تَحَرَّجُوا عَنْ الْأَكْلِ مَعَ الْمَرِيضِ لِأَنَّهُ لَا يَأْكُلُ كَالصَّحِيحِ، وَمَعَ الْأَعْمَى لِأَنَّهُ لَا يُبْصِرُ مَوْضِعَ الطَّعَامِ، وَمَعَ أَعْرَجِ الْيَدِ لِأَنَّ يَدَهُ لَا تَقْوَى عَلَى تَنَاوُلِ الطَّعَامِ قُوَّةَ الْيَدِ الصَّحِيحَةِ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ إبَاحَةً لِذَلِكَ وَلِغَيْرِهِ، فَانْظُرْ تَفْسِيرِي الْمُسَمَّى بِ " هِمْيَانِ الزَّادِ إلَى دَارِ الْمَعَادِ ".