الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٧٢وَلَا يُنَاجِي كُلٌّ عَنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ دُونَهُ بِلَا ضَرُورَةٍ إلَّا بِإِذْنِهِ،
-------------------------------
(وَلَا يُنَاجِي كُلٌّ عَنْ صَاحِبِهِ) التَّنَاجِي: التَّكَلُّمُ الْوَاقِعُ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِإِخْفَاءٍ عَنْ غَيْرِهِمَا، أَوْ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ، وَمِثْلُ التَّنَاجِي الْإِشَارَةُ بِعُضْوٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَالتَّكَلُّمُ بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا، وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّاحِبِ، لَكِنَّ الصَّاحِبَ لَا يُنَاجِي عَنْهُ وَلَا يَفْعَلُ مَا ذَكَرَ مِثْلَ التَّنَاجِي، وَلَوْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ الصَّاحِبِ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ، لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِحَضْرَةِ غَيْرِ الصَّاحِبِ إذَا بَقِيَ مَعَ ذَلِكَ الصَّاحِبِ أَحَدٌ وَلَوْ امْرَأَةٌ أَوْ طِفْلٌ أَوْ مَجْنُونٌ، فَمَفْهُومُ حَدِيثِ: ﴿لَا يَتَنَاجَ اثْنَانِ عَنْ وَاحِدٍ﴾ " مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الصَّاحِبِ، وَقِيلَ: غَيْرُ مَخْصُوصٍ بَلْ يَجُوزُ تَنَاجِي صَاحِبٍ عَنْ الصَّاحِبِ الَّذِي مَعَهُ إنْسَانٌ (وَلَا يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ دُونَهُ) قَبْلَ حُضُورِهِ لِلْأَكْلِ (بِلَا ضَرُورَةٍ إلَّا بِإِذْنِهِ)، غَيْرَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الْآيَةَ، يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ قَبْلَ حُضُورِهِ لِلْأَكْلِ عَلَى مَا قِيلَ: إنَّهُمْ إذَا سَافَرُوا جَعَلُوا طَعَامَهُمْ فِي مَكَان وَاحِدٍ، فَإِذَا غَابَ وَاحِدٌ انْتَظَرُوهُ مَخَافَةَ الْإِثْمِ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ إبَاحَةً لِلْأَكْلِ بِلَا حُضُورٍ مِنْهُ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ، وَجَازَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ لِضَرُورَةٍ بِلَا إذْنٍ مِنْهُ.
وَكَذَا التَّنَاجِي، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّنَاجِي أَوْ الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ بِطِيبِ نَفْسِهِ فِي غَيْرِ ضَرُورَةٍ جَازَ، وَهَذَا مَعْلُومٌ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَيُبَاحُ إذَا أَبَاحَهُ، وَلَكَ أَنْ تُرْجِعَ قَوْلَهُ: بِلَا ضَرُورَةٍ، وَقَوْلَهُ: إلَّا بِإِذْنِهِ، إلَى قَوْلِهِ: وَلَا يُنَاجِي كُلٌّ عَنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ دُونَهُ فَقَطْ، بِنَاءً عَلَى إرْجَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ جُمْلَتَيْنِ فَصَاعِدًا إلَى جَمِيعِهِنَّ،