الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ٤٤......................................................................................
-----------------
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِخَبَرِ ﴿الْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبَا﴾ الْحَدِيثَ، وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ لَا يُفِيدُ الْحَصْرَ عَلَى الصَّحِيحِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يُفِيدُهُ، وَقِيلَ: إنْ صُرِّحَ بِاسْمِهِ كَاثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ أَفَادَهُ، وَإِنْ ذُكِرَ مُتَعَدِّدًا فَقَطْ كَالْحَدِيثِ، وَكَقَوْلِكَ: جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَبَكْرٌ لَمْ يُفْدِهِ فَإِنَّمَا مُنِعَ قَتْلُ غَيْرِ الْفَوَاسِقِ فِي الْحَرَمِ عَلَى هَذَا مِنْ خَارِجٍ لَا مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿خَمْسٌ فَوَاسِقٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ﴾ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَيَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ الْأَكْثَرِ مِنَّا الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ كُلَّ صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ بِصِنْفِهِ نَسِيئَةً رِبًا، وَالْمُتَّفَقُ أَوْلَى مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الرِّبَا يَكُونُ أَيْضًا فِي غَيْرِ الصِّنْفِ بِصِنْفِهِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، وَمَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ: أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ دِرْهَمٌ صَغِيرٌ بِدِرْهَمٍ كَبِيرٍ إجْمَاعًا، أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ نَسِيئَةً إجْمَاعًا، وَمَعْنَى كَوْنِ الدِّرْهَمِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا التَّفَاوُتُ بِالنَّقْصِ وَالْكَمَالِ مِنْ جِهَةِ الصَّائِغِ، أَوْ بِنَقْصِهِ بِالتَّدَاوُلِ بِغَيْرِهِ، أَوْ أَرَادَ بِالدِّرْهَمِ مُطْلَقُ سِكَّةِ الْفِضَّةِ مَجَازًا، وَالْوَاضِحُ الْأَوَّلُ وَدَلِيلُ مَالِكٍ أَنَّهُ نَبَّهَ فِي الْحَدِيثِ بِتَحْرِيمِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، عَلَى تَحْرِيمِ التَّبَايُعِ بِمُتَّحِدٍ إلَّا سَوَاءً بِلَا تَأْخِيرٍ، وَنَسِيئَةً بِتَحْرِيمِ الْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَهَكَذَا؛ عَلَى أَنَّ أَنْوَاعَ الْمَطْعُومِ الْقَائِتِ الْمُدَّخَرِ جِنْسٌ، وَنَبَّهَ بِكُلٍّ مِنْهَا عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ، وَذَكَرَ أَعْلَى مَا يُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ وَهُوَ الْبُرُّ، وَأَدْنَاهُ وَهُوَ الْمِلْحُ، فَدَخَلَ مَا سِوَى ذَلِكَ، مِمَّا يُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ فَعُلِمَ أَنَّ الْعِلَّةَ الِاقْتِيَاتُ وَالْإِدْخَارُ، وَتَحْرِيمُ الرِّبَا عِنْدَهُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى، قَالَ: مَعْنَاهُ الرِّفْقُ بِالْأُمَّةِ وَأَنْ لَا يَتَغَابَنُوا وَأَنْ يَحْفَظُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَوْجَبَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مُقْتَاتٍ مُدَّخَرٍ وَجَعَلَهُ جِنْسًا وَاحِدًا إبْقَاءً عَلَى الْأُمَّةِ؛ إذْ كَانَ أَصْلُ الْمَعَاشِ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَالذَّهَبُ أَوْ الْفِضَّةُ بِحَدِيدٍ